ادريس طيطي – مجرد رأي – دعونا نتفق منذ البداية أن ما يثير الاستغراب اليوم ليس قدرة الكاميرات على كشف الجناة، ولا سرعة تفاعل المصالح الأمنية مع المقاطع المصورة، بل إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا ما زال بعض الأشخاص يقدمون على أفعال يعلمون مسبقا أنها موثقة وأنها قد تقودهم إلى الاعتقال في ظرف وجيز؟ أمام أعين المواطنين، وأمام عدسات الهواتف الذكية، وأمام الكاميرات المثبتة في الشوارع والمؤسسات والمحلات التجارية، نشاهد أحيانا اعتداءات بالسلاح الأبيض، وتخريب للسيارات، وإتلاف للممتلكات العامة والخاصة، وسلوكات عنيفة لا يحاول أصحابها حتى إخفاءها. والمفارقة أن مرتكبي هذه الأفعال يعلمون جيدا أن الكاميرات موجودة، وأن مقاطع الفيديو ستنتشر بسرعة، وأن مصالح الأمن ستتفاعل معها في وقت وجيز. لذلك لم يعد السؤال: كيف سيتم الوصول إلى الجاني؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: لماذا يقدم بعض الأشخاص أصلا على أفعال يعلمون مسبقا أنها ستقودهم غالبا إلى الاعتقال؟ هذا السؤال يكتسب أهميته من حجم المجهودات الكبيرة التي تبذلها المصالح الأمنية، سواء من خلال التفاعل السريع مع الفيديوهات المنشورة، أو عبر توظيف التكنولوجيا الحديثة، أو من خلال الانتشار المتزايد لوسائل المراقبة. فالكاميرات اليوم أصبحت في كل مكان، بل إن كل مواطن يحمل في جيبه كاميرا قادرة على توثيق أي واقعة في لحظتها. ومع ذلك، فإن استمرار بعض هذه السلوكات يدفعنا إلى التفكير في الخلل الكامن وراءها. الاحتمال الأول يتعلق بفئة تبدو غير مكترثة بعواقب أفعالها. أشخاص اعتادوا العود إلى الجريمة وإلى السجن، حتى فقدوا الإحساس بقيمة الحرية. هؤلاء يعلمون أن الاعتقال ينتظرهم، لكن ذلك لا يشكل بالنسبة إليهم عامل ردع كافيا. وهنا يطرح السؤال: هل أصبح السجن بالنسبة إلى بعضهم وضعا مألوفا أكثر من الحياة الطبيعية؟ وهل فقد هؤلاء القدرة على بناء مشروع حياة خارج دائرة الانحراف؟ وهل وصل الأمر ببعضهم إلى اعتبار السجن ملاذا أكثر منه عقوبة؟ الاحتمال الثاني يتعلق بالمخدرات والأقراص المهلوسة. فهذه الآفة لا تفسد الجسد فقط، بل قد تعطل القدرة على التفكير السليم واتخاذ القرار. وعندما يفقد الإنسان السيطرة على وعيه يصبح قادرا على ارتكاب أفعال لا يمكنه هو نفسه تصديقها بعد استعادة إدراكه. وهنا يصبح الخطر مضاعفا، لأن الضحية قد تؤدي الثمن، بينما يكون الجاني في تلك اللحظة فاقدا للقدرة على تقدير العواقب. أما الاحتمال الثالث فيتعلق بالحالات التي تتكرر فيها الأفعال نفسها ويجري في كل مرة تعويض الضحايا والتنازل عن المتابعة. لا أحد يعارض منح فرصة ثانية لشخص أخطأ لأول مرة، بل إن ذلك قد يكون قرارا حكيما يفتح باب الإصلاح ويمنح الأمل في العودة إلى الطريق الصحيح. لكن عندما تتحول الفرصة الثانية إلى فرص متتالية للشخص نفسه، فإن السؤال يصبح مشروعا: هل ما زالت الغاية هي الإصلاح، أم أننا أمام سلوك يتكرر لأنه لم يجد الردع الكافي؟ فالتعويض وجبر الضرر أمر مطلوب، لكن إذا أصبح بعض الأشخاص مقتنعين بأن أسرهم ستتدخل دائما لإصلاح ما أفسدوه، فقد يفقدون الإحساس بالمسؤولية الفردية. وعندما يتكرر الفعل نفسه مرة بعد أخرى، فإن المتضرر لا يكون فقط صاحب السيارة أو الممتلكات، بل يصبح الإحساس العام بالأمن والطمأنينة هو الضحية أيضا. إن الهدف من طرح هذه التساؤلات ليس التشكيك في فعالية التدخلات الأمنية أو القضائية، بل العكس تماما. فالمتابع يلاحظ حجم الجهود المبذولة وسرعة التفاعل مع مختلف القضايا. لكن استمرار بعض هذه السلوكات يؤكد أن المعالجة الأمنية وحدها، مهما كانت قوية وفعالة، لا تكفي دائما لفهم جذور المشكلة. لذلك يبقى السؤال مفتوحا: أين يكمن الخلل الحقيقي؟ هل في الإدمان؟ أم في غياب الردع لدى بعض الفئات؟ أم في فقدان الإحساس بقيمة الحرية؟ أم في عوامل اجتماعية وتربوية أخرى؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون خطوة أساسية لفهم جزء من ظاهرة ما زالت تثير الاستغراب في زمن أصبحت فيه الكاميرات شاهدة على كل شيء تقريبا.