المغرب والجزائر تحت المجهر: بين إنجازات تروى واختلالات تكشف

ادارة النشرمنذ ساعتينآخر تحديث :
المغرب والجزائر تحت المجهر: بين إنجازات تروى واختلالات تكشف
ادريس طيطي -مجرد رأي –
دعونا نواصل قراءة الوقائع كما فرضت نفسها، لا كما يراد لها أن تروى، ونمضي في نفس خط المقارنة التي أفرزتها الأحداث في السنوات الأخيرة.
بدأ المشهد بلقطة إنسانية بسيطة لكنها عميقة الدلالة: شاب مغربي يتدخل بعفوية لينقذ سيدة صينية، لتتحول الواقعة إلى مادة إعلامية تداولتها القنوات الصينية  بإسادة واضحة وايضا  المواقع الاجتماعية بتعليقات وصفت  المغربي بالشهامة والبطلولية   وقيم التدخل الإنساني. صورة صنعتها لحظة صدق، فوجدت صداها خارج الحدود.
بالمقابل، برزت واقعة أخرى داخل مدرجات كرة القدم، حيث أثار شاب جزائري يدعى “رؤوف” جدلا واسعا بعد أن تبول في المدرجات اثناء عرس  افريقي رياضي ،  تصرف غير لائق  أمام انظار العالم.
المفارقة لم تقف عند الفعل، بل امتدت إلى طريقة تداوله، حين حاولت بعض الأصوات تقديمه في صورة “بطولية”، وهو ما فتح باب التساؤل حول معايير القدوة، وكيف تصنع الرموز في الفضاء العام.
ثم نصل إلى محطة إنسانية أخرى  هزت العالم: حادثة الطفل ريان. هنا لم يكن المغرب أمام اختبار تقني فقط، بل أمام امتحان إنساني شامل. الدولة بمختلف أجهزتها، والشعب بكل مكوناته، تحولوا إلى خلية واحدة، في سباق مع الزمن،  حفروا جبل ، وحولوه لإنقاد رايان ابن الوطن بينما العالم يتابع والدعوات ترتفع من مختلف الديانات والثقافات. لحظة جسدت كيف يمكن لمأساة أن توحد الإنسانية حول قيمة الحياة.
وفي مقابل ذلك، تطرح بعض الوقائع في الجهة الأخرى أسئلة صعبة حول تدبير الأزمات والتواصل بشأنها، خاصة عندما يتعلق الأمر بأحداث مؤلمة كالإرهاب أو الكوارث، حيث يلاحظ أحيانا ميل إلى التعتيم بدل توسيع دائرة التضامن، رغم أن مثل هذه القضايا تتطلب انفتاحا أكبر لأن الألم حين يشارك يخفّ، ولأن الإرهاب لا وطن له. الغريب لم يعرف حتى كم قتلوا وكم أصيبوا تعتيم  كلي وبأمر من النظام . أإلى هذه الدرجة حياة الجزاىري رخيصة. بل ما يدعو للغرابة  أنهم جندوا  منصات مأجورة للحديث عن انفجارات مزيفة  بالمغرب. 
نأتي إلى الكوارث الطبيعية، حيث تظهر الفوارق بشكل أوضح. في المغرب، وعندما تهددت مناطق كاملة بالفيضانات، تم اتخاذ قرار بإخلاء مدن ومناطق بأكملها، من بينها نواحي القصر الكبير ، في خطوة استباقية هدفها الأول حماية الأرواح. تحركت الدولة، وتجند المواطنون، وتحولت الأزمة إلى لحظة تعبئة شاملة، حيث وفرت وسائل الإيواء والدعم، وكأن المدينة لم تغادر أهلها بل انتقلت بهم إلى فضاء أكثر أمانا.
في المقابل، شهدت الجزائر فيضانات مؤلمة غرقت فيها منازل، وتضرر فيها مواطنون، في مشاهد صعبة تداولتها بعض المنصات. غير أن ما أثار الاستغراب لدى متابعين كثر، هو تزامن هذه الأوضاع مع انشغال جزء من الإعلام الرسمي بخطابات استعجالية حول كرة القدم، والحديث عن كأس إفريقيا، والدفاع عن السينغال والتحكيم، ونظريات المؤامرة المرتبطة بمنتخبات أخرى. هذا التباين بين حجم الحدث الإنساني وطبيعة التغطية الإعلامية طرح تساؤلات حول ترتيب الأولويات، وحول مدى حضور المواطن الحزائري  كقيمة مركزية في الخطاب الرسمي.
وعند الحديث عن الحرائق، يتكرر نفس النقاش. فكل صيف، تواجه مناطق جزائرية حرائق واسعة تلتهم الغابات وتهدد السكان، ما يفتح باب التساؤل حول جاهزية وسائل التدخل، خصوصا في ما يتعلق بالطائرات المتخصصة في إخماد الحرائق. في المقابل، يطرح سؤال الأولويات: هل يتم توجيه الإمكانيات بما يكفي لحماية المواطن، ام فقط الاموال والثروات يتم تحويلها بتمويل العصابات والانفصايين وتمويل كل القضايا التي لا تخص شعبها والمسكين غارق في طوابير من اجل اساسيات الحياة  .
أما في الرياضة، فقد كان مونديال قطر 2022 لحظة فارقة. المغرب صنع إنجازا تاريخيا بوصوله إلى نصف النهائي، وأعاد رسم صورة الكرة العربية والإفريقية عالميا، وجمع حوله تعاطفا وتشجيعا واسعا. في الجهة الأخرى، عاشت الكرة الجزائرية خيبة الإقصاء، وما رافقها من جدل طويل حول مباراة الكاميرون، حيث استمر النقاش لأشهر حول إعادة اللقاء، في مشهد عكس حجم الصدمة أكثر مما عكس روح تجاوزها.
كل هذه الوقائع، حين توضع جنبًا إلى جنب، لا تحتاج إلى مبالغة أو تضخيم، لأنها تتحدث بذاتها. بين مواقف تبنى على تعبئة جماعية لحماية الإنسان، وأخرى تثير الجدل حول الأولويات، تتشكل صورة تختلف من سياق إلى آخر.
المقارنة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لفهم كيف تدار اللحظات الحاسمة داخل المجتمعات. فحين يكون الإنسان في قلب القرار، تتحول الأزمات إلى دروس في التضامن، وحين يبتعد عن مركز الاهتمام، تصبح الأحداث مادة للجدل أكثر من كونها لحظات إنقاذ.
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة