حُرِّيَّة الرَّأْي والإعْتِقال السِّيَّاسيّ، جَدَلِيَّــة الحَــقّ والقَمْــع (قضية طلبة جامعة إبن طفيل القنيطرة)

ادارة النشر10 يوليو 2026آخر تحديث :
حُرِّيَّة الرَّأْي والإعْتِقال السِّيَّاسيّ، جَدَلِيَّــة الحَــقّ والقَمْــع (قضية طلبة جامعة إبن طفيل القنيطرة)
ذ/ عبد الإله شفيشو / فاس
تُمثل حرية الرأي الرئة التي تتنفس منها الشعوب والشرط الأساسي لتحقيق التقدم والإبتكار في أي مجتمع إلا أن هذا الحق الإنساني الأساسي يواجه تحديات جسيمة في العديد من الدول أبرزها ظاهرة الإعتقال السياسي التي تقف كعقبة كبرى في طريق تطور الديمقراطيات وحقوق الإنسان، ووفق القانون الدولي الإعتقال السياسي إجراء محظور في جميع المعاهدات والإتفاقات الدولية ومواثيق حقوق الإنسان وهو إعتقال خارج عن القانون وتعسفي ويعتبر مسا خطيرا بالدساتير وإلتفاف على المواثيق الدولية والقوانين الوطنية، ووفقا لما ينص عليه دستور 2011 المعمول به حاليا في المغرب ضمن الفصل 29 على أن: (حق الإضراب مضمون، ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته)، فهل هذه الأزمات المستشرية تعد إمتدادا للتراكمات الموروثة أم أنها تمثل كبوة جديدة من كبوات التراجع إلى الوراء وإنتهاكا صارخا لكل الوعود الإقتصادية، الإجتماعية، الحقوقية … للدولة المغربية؟.
إن هذه التساؤلات وغيرها من الإستفسارات المصيرية التي فرضت نفسها بمرور الوقت كحالة من حالات اليأس والإحباط صارت تؤكد أن لا شيء يبعث على الإرتياح فكل ما نراه في مسلسل الأزمات اليومية يعكس صورة مؤلمة واحدة تشترك في مكوناتها المزرية لترسم ملامح الإنحدار والتردي فالوطن لا يزال يتخبط في مخاض عسير وظلام دامس لإتخاذ قرار لم يحسم بعد فيه بشأن نمط وشكل الديمقراطية المطلوبة والمقصودة في بلد زاخر وغني بطاقاته الهائلة ومكوناته المختلفة، وقد عرف المغرب أبشع حالات الإعتقال السياسي وقد تعامل النظام الحاكم أو ما يعرف بسنوات الرصاص مع هذه الآفة بشكل سلبي وهروبي سواء من حيث إنكار وجود معتقلات سياسية غير قانونية ببلادنا أو إنكار وجود معتقلين سياسيين أصلا.
يعتبر الإعتقال السياسي إنتهاكا لمبدأ جرية الرأي والتغبير والـذي يعد من أهم مبادئ الديمقراطية و هو الذي يتناقض مع الخطابات الرسمية للدولة فالوطن هو للمواطنين أينما كانوا فيه يطورون هويتهم الوطنية والثقافية ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق وتصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسـانية فـي ظـل نظـام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي في ظل دستور يؤمن بسيادة القانون والقضاء المستقل، و في هذا الصدد قد شددت العديد من الجهات الحقوقية والسياسية التقدمية بالمغرب على أن مبررات وأسباب الإعتقال السياسي التي تقوم به الدولة واهية ولا أساس لها من الصحة عدا عن أن التهم الموجهة للمعتقلين تتم على خلفية سياسية لـتضليل القضاء ويبرر الحكم عليهم لمدة أطول (معتقلي حركة 20 فبراير، حراك الريف، حركة زيد Z وطلبة جامعة إبن طفيل نماذج).
حرية الرأي ليست مجرد ترف فكري بل هي حق طبيعي كفلته كافة الشرائع السماوية والمواثيق الدولية وقد نصت عليها المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مؤكدة على حق المشاركة الفعالة في الشأن العام ومساءلة الحكومات والكشف عن الفساد مما يساهم في بناء الإستقرار السياسي والتنمية، ويلاحظ المتتبع للشأن المغربي أنه ورغم توقيع الدولة المغربية على هذه المعاهدة ومع كل إقتراب للإنتخابات التشريعية أن ثمة خطاب سياسي واضح يتعلق الأمر بطرح حالة الإستمرارية كهدف مركزي لآفاق المرحلة القادمة دون تنازل أو تعديل وأحزاب تريد تكريس إستمراريتها (أغلبية ومعارضة) وهم يراهنون على مستقبل الوطن في نمط سياسي مغلق لا أفق له، فعلى القوى الديمقراطية أن تقتنع أنه ليس بوقت التراجع عن القناعات والمبادئ بل أفضل وفت لدعم قضية الإعتقال السياسي و إبرازها إلى العلن بإعتبارها مدخل للديمقراطية وقضية طبقية لما تنهجه الدولة من سياسات طبقية تروم لقمع الأصوات الحرة وتكميم الأفواه و سلب الحريات والعمل على الإنتقاص من كرامة المناضلين عبر الزج بهم في غياهب السجون وطمس قضيتهم.
فقضية الإعتقال السياسي يجب أن تكون إحدى مفاتيح الدخول للعملية السياسية وليس في صلب عملية التفاوض بحيث يلاحظ المتتبع لقضية الإعتقال السياسي أنه لا يتم التعامل معها بمنهجية واضحة ومعلومة للجميع سواء كان للقوى المجتمعية أو عند القوى السياسية متفرقة كهيئات وأحزاب، فالراحل الدكتور “المهدي المنجرة” ذو التوقعات والإقتراحات المبنية على أساس معطيات ميدانية دقيقة يقول: ( أن أكثرية الدراسات و التقارير الدولية تشير إلى عدم تحسن أوضاع المغرب عاما بعد عام بل هناك تراجع إلى الوراء على الخصوص في القطاعات الاجتماعية (الأمية و الفقر) و تصاعد الفرق في توزيع الدخل الوطني، تدهور النظام التربوي، انهيار الجامعة ،انتشار الرشوة و الفساد و عدم مصداقية العدل…إن الإصلاح آت أحب من أحب… و السؤال الوحيد الذي يجب أن نفكر فيه هو ثمن هذا الإصلاح فكل تأخير سيدفع عنه الثمن، وفي شأن أولوية الإصلاح على المستوى السياسي أولا يجب إسناد القرار إلى أهله أي الشعب و لهذا يجب أن لا نستمر في ظل دستور ممنوح) .
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة