لا تساهل مع الإجرام… والأشغال الشاقة والتنقلات الزجرية ضرورة لإعادة

ادارة النشرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
لا تساهل مع الإجرام… والأشغال الشاقة والتنقلات الزجرية ضرورة لإعادة
ادريس طيطي – مجرد رأي –
لا يكاد يمر يوم دون أن تطالعنا مواقع التواصل الاجتماعي بمشاهد اعتداءات وسرقات وعنف في الشارع العام، أو بحوادث حمل أسلحة بيضاء وترويع المواطنين، وأحيانا تخريب للممتلكات العامة والخاصة في واضحة النهار. صور أصبحت تتكرر بشكل يثير القلق، ليس فقط لخطورتها، بل لسرعة انتشارها وتحولها إلى مادة يومية يتداولها الرأي العام.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار المجهودات الكبيرة التي تبذلها المصالح الأمنية، والتي أبانت في العديد من الحالات عن سرعة وفعالية في التدخل، حيث يتم تحديد المتورطين وتوقيفهم وتقديمهم أمام العدالة في آجال وجيزة. وهو ما يؤكد أن أجهزة إنفاذ القانون تتابع بدقة ما يحدث في الشارع وفي الفضاء الرقمي، وتتعامل مع هذه الوقائع بالجدية اللازمة.
لكن، رغم هذا المجهود، يظل السؤال مطروحا بإلحاح: لماذا تتكرر بعض الأفعال الإجرامية بشكل لافت؟ ولماذا لا يحقق السجن في بعض الحالات الأثر الردعي المطلوب، خاصة لدى فئة العود؟
إن ما نعيشه اليوم من تنامي بعض مظاهر الجريمة والعنف يفرض التفكير في مقاربات جديدة للردع، لأن العقوبة لا تكون فعالة إذا فقدت أثرها النفسي والمعنوي على الجاني، وتحولت إلى مجرد مرحلة عابرة لا تغير من سلوكه شيئا.
ومن بين المقاربات التي تستحق النقاش، إعادة النظر في سياسة توزيع السجناء، خصوصا المدانين في قضايا العنف والاعتداء على المواطنين. فحين يقضي الجاني عقوبته بالقرب من حيه أو مدينته، يظل مرتبطا بمحيطه الاجتماعي، محاطا بدعم أسرته وأصدقائه وأبناء الحي الذين يزورونه باستمرار، مما يجعل تجربة السجن أقل تأثيرا مما يفترض.
وفي كثير من الحالات، يتحول السجن القريب إلى فضاء لا يقطع الصلة الحقيقية بين الجاني وبيئته السابقة، بل يبقيه داخل نفس الدائرة الاجتماعية بشكل غير مباشر، مما يضعف الإحساس بالعقوبة ويقلل من أثرها الردعي.
لذلك، فإن نقل بعض المدانين في الجرائم الخطيرة إلى مؤسسات سجنية بعيدة عن مناطقهم الأصلية قد يشكل عنصر ضغط إضافي في مسار الردع. فالبعد الجغرافي يحد من الزيارات المتكررة، ويقلص من تأثير شبكات الدعم غير الإيجابية، ويجعل الجاني يواجه واقعا مختلفا يفرض عليه مراجعة سلوكه بشكل أعمق.
كما يمكن التفكير في اعتماد تدرج في أماكن الإيواء السجني بالنسبة لحالات العود، بحيث يدرك الجاني أن كل عودة إلى الجريمة ستقابل بانتقال إلى مؤسسة سجنية أبعد وأكثر صرامة. فالمقصود ليس الانتقام، بل ترسيخ شعور حقيقي بثقل العقوبة ونتائجها، وكسر فكرة أن السجن مجرد محطة عادية يمكن تكرارها دون تكلفة معنوية أو اجتماعية. صحيح أن عمليات النقل بين المؤسسات السجنية قد تترتب عنها كلفة مالية ولوجستية إضافية، غير أن الأمن العام وسلامة المواطنين يظلان من الأولويات التي تستحق الدراسة والتضحية متى اقتضت المصلحة العامة ذلك.
وفي المقابل، فإن العقوبات البديلة تظل خيارا ضروريا، لكنها يجب أن توجه بدقة نحو الحالات التي دفعتها ظروف اجتماعية أو مالية إلى مخالفة القانون، دون أن تكون مصدر تهديد مباشر لأمن المواطنين، مثل بعض قضايا الديون أو النفقة أو الشيكات أو غيرها من المخالفات غير العنيفة.
أما من يرهب المواطنين ويحمل السلاح الأبيض ويعتدي على الأشخاص والممتلكات، فإن المجتمع ينتظر في حقه عقوبات أكثر صرامة ووضوحا في أثرها.
وهنا يبرز النقاش حول إعادة الاعتبار للأعمال الشاقة ذات الطابع التأهيلي والانضباطي داخل العقوبة. فبدل أن يكون السجن مجرد زمن فارغ، يمكن ربطه بأوراش حقيقية داخل المؤسسات السجنية أو في إطار برامج مراقبة صارمة، تشمل أشغالا تتطلب الجهد البدني والانضباط، مثل صيانة القناطر والبنيات التحتية، وتهيئة الطرق والمسالك، وإزالة الرمال من بعض المناطق، وأعمال قطع الأخشاب في إطار مشاريع منظمة، إضافة إلى المشاركة في أوراش نظافة وتأهيل مختلفة.
هذه الأعمال لا تطرح كعقوبة انتقامية، بل كوسيلة لإعادة بناء العلاقة بين الفرد والقانون، وجعله يلمس عمليا كلفة الاعتداء على المجتمع، ويكتشف أن الحرية ليست فقط حقا، بل مسؤولية.
إن حماية المواطنين ليست خيارا ثانويا، بل هي أساس أي استقرار اجتماعي. وإذا كانت المقاربة الأمنية تقوم بدورها في الميدان، فإن تطوير السياسة العقابية يظل جزءا لا يقل أهمية في معادلة الردع. فالمطلوب اليوم ليس فقط معاقبة الجريمة، بل منع تكرارها، وبناء شعور جماعي بأن القانون حاضر، وأن المساس بأمن الناس له ثمن حقيقي وواضح.
#الأمن_المجتمعي
#محاربة_الجريمة
#سياسة_عقابية
#سلامة_المواطنين
#سيادة_القانون
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة