من الصبر إلى النجاة… قصة ابنة حي البوشتيين مع العنف الذي عاشته في صمت

ادارة النشرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
من الصبر إلى النجاة… قصة ابنة حي البوشتيين مع العنف الذي عاشته في صمت
ادريس طبطي – القنيطرة –
لم أتناول هذه القضية بصفتي صحافيا فقط، بل لأنني ابن حي البوشتيين، وأعرف هذه السيدة منذ كانت طفلة صغيرة تجري بين أزقة الحي. كانت هادئة، خجولة، تنتمي إلى أسرة بسيطة ومحترمة، ولم يكن أحد يتوقع أن تخفي خلف ابتسامتها سنوات طويلة من الألم والعذاب.
كبرت… لكنها لم تكبر كما يكبر الناس. كبرت تحت الخوف، وكبرت تحت الضرب، وكبرت وهي تؤجل الأمل من يوم إلى آخر، مرددة في نفسها: “ربما سيتغير غدا… ربما سيصبح زوجا أفضل.”
وحين جلست إليها لأستمع إلى روايتها، لم تكن الكلمات هي التي تتحدث، بل كانت الجروح. وجهها كان يحمل آثار السكين، وآثار الضرب، وآثار سنوات من التعنيف الذي لم يكن يعرف الرحمة. كنت أحاورها، لكنني في الحقيقة كنت أرى مأساة مكتوبة على ملامحها.
كانت تخفي الكثير. كنت أشعر أن في قلبها حكايات أشد قسوة مما استطاعت أن تنطق به. وبين كل جملة وأخرى كانت تتوقف، وكأن الخوف الذي رافقها سنوات طويلة لا يزال يمنعها من الكلام.
قالت لي: “لم أخبر أسرتي بما كان يفعله بي… كنت أخاف منه. كان يهددني بالذبح إن تكلمت.”
وأضافت أنها كانت تتعرض باستمرار للضرب بالعصي وبكل وسائل العنف، لكنها كانت تصبر من أجل طفليها، وتقول في كل مرة: “ربما يتغير.”
وفي آخر مرة، جاء إلى منزل أسرتها، وطلب منها أن تترك الطفلين وترافقه إلى منزل والديه، حيث لم يكن أحد هناك. وهناك، وجد الفرصة التي كان ينتظرها لينفذ جريمته، محاولا ذبحها بطريقة وحشية، لولا لطف الله الذي أنقذها من الموت.
ولم يكتف بذلك، بل اصطحبها بعد إصابتها إلى المستشفى، ولقنها ما ستقوله للأطباء، طالبا منها أن تدعي أنها تعرضت لـ”الكريساج”. لكن الطبيب انتابه الشك منذ اللحظة الأولى، وقال إن هذه الإصابات لا تشبه اعتداء شارع، بل تدل على عنف شديد داخل محيط قريب. عندها بدأت تتحرر من الخوف، وبدأت الحقيقة تخرج من بين دموعها.
وأشادت بالمعاملة الإنسانية التي وجدتها داخل مستشفى الزموري، حيث تعاطف معها الطاقم الطبي، وحرص على خياطة جروح وجهها بأفضل طريقة ممكنة، في محاولة للتخفيف من آثار تلك الجريمة.
لكن أكثر ما هزني في حديثها، أنها قالت لي وهي تبتسم لأول مرة رغم جراحها:
“هل تعلم… أنا فرحانة.”
استغربت من جوابها، فسألتها: كيف تفرحين وأنت في هذه الحالة؟
قالت: “ربما لأنني نجوت… وربما لأنني لم أعد وحدي. نساء الحي وبناته وقفن معي، وقالوا لي: نحن معك… اصمدي، فما زالت الحياة أمامك، والحمد لله أنك نجوت من الذبح من أجل طفليك.”
هذه ليست قصة امرأة واحدة، بل قصة كثير من النساء اللواتي يعشن العنف في صمت، خوفا من التهديد، أو حفاظا على الأسرة، أو أملا في أن يتغير الزوج يوما ما. لكن بعض الرجال لا يتغيرون، بل يتحولون إلى خطر حقيقي على حياة زوجاتهم.
واليوم، وبعد تدخل مصالح الأمن، وزيارة السلطات المحلية وبعض فعاليات المجتمع المدني، يبقى الأمل معقودا على أن يأخذ القانون مجراه، وأن تنال هذه السيدة حقها الكامل في العدالة، حتى لا تتحول بيوت يفترض أن تكون سكنا ورحمة إلى أماكن للرعب والخوف وسفك الدماء.
رسالتي لكل امرأة تعيش العنف في صمت: لا تجعلي الخوف سجنا لك. فالصمت لا يحمي الضحية، بل يمنح المعتدي فرصة ليتمادى أكثر. وكم من امرأة كانت تظن أنها ستصبر حتى يتغير، فإذا بها تكاد تفقد حياتها قبل أن يتحقق ذلك الحلم.

#حي_البوشتيين
#العنف_الأسري
#العنف_ضد_المرأة
#لا_للصمت
#العدالة
#القنيطرة
#أنقذوا_الضحايا

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة