لم تكن تصريحات وزير الخارجية الجزائري عقب لقاء مدريد مجرد توضيحات عابرة، بل حملت مؤشرات واضحة على محاولة إعادة تشكيل السردية عبر تغيير المصطلحات والالتفاف على جوهر الموضوع. أول ما يثير الانتباه هو الإصرار المتكرر على استعمال تعبير الصحراء الغربية، في وقت يشهد فيه الملف تحولا دوليا واضحا يميل إلى مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الإطار الواقعي للحل. تكرار المصطلح لم يكن اعتباطيا، بل يعكس تمسكا بخطاب تقليدي يتجاهل التحولات السياسية الجارية. ثانيا، تحدث الوزير عن اتفاقية سلام بين أطراف النزاع، بينما المسار الحالي لم يعد مبادرة مفتوحة على كل الاحتمالات، بل أصبح مؤطرا بقرارات صادرة عن مجلس الأمن، من بينها القرار 2797، الذي يدعو إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم. الفارق كبير بين اتفاقية سلام توحي بتساوي أطراف متنازعة، وبين قرار أممي يحدد الإطار والمرجعية. الأكثر دلالة هو تجنب استعمال تعبير الحكم الذاتي. هذا المصطلح الذي أصبح محور النقاش الدولي حول الملف لم يرد في تصريحاته، وكأن هناك حرصا على عدم تمريره للرأي العام الداخلي. تغيير المفردات هنا ليس تفصيلا لغويا، بل محاولة لتأجيل مواجهة التحول السياسي القائم. وعندما سألته الصحافة عن طبيعة لقاء مدريد، استهل جوابه بعبارة لافتة: انا ايضا استغربت. في السياق الدبلوماسي، هذه الجملة ليست بريئة. حين يعلن وزير خارجية استغرابه من لقاء حضره بنفسه، فإنه يوحي وكأن الأمر لم يكن في علمه، مقدما الزيارة على انها مجرد لقاء ثنائي مع اسبانيا. إذا كان الامر كذلك فعلا، فلماذا لا يصدر بيان رسمي واضح يرد على ما تم تداوله دوليا؟ ولماذا لا يتم تكذيب ما أكدته الولايات المتحدة بشأن طبيعة المشاورات وسريتها؟ في الملفات الحساسة، الصمت امام رواية رسمية صادرة عن قوة دولية كبرى لا يمكن اعتباره تفصيلا عابرا. محاولة تقديم الجزائر كطرف غير معني مباشرة تتناقض مع واقع احتضان جبهة البوليساريو فوق ترابها منذ عقود، ومع ادراجها المتكرر ضمن الاطراف المعنية بالمسار السياسي في قرارات مجلس الامن. لذلك يبدو خطاب الاستغراب موجها بالاساس الى الداخل، في محاولة لتهيئة الرأي العام لمرحلة جديدة، دون الاعتراف الصريح بتغير المعادلة. المرحلة الحالية لم تعد مرحلة جدل حول اصل النزاع، بل مرحلة تنزيل حل سياسي ضمن اطار اممي واضح. اللقاءات المتتالية لا تعيد فتح النقاش من الصفر، بل تبحث في كيفية تفعيل مسار محدد المعالم. يمكن اللعب بالمصطلحات لبعض الوقت، لكن المصطلحات لا تغير الواقع. والقرار الاممي لا يتحول الى اتفاقية سلام بمجرد تغيير العبارة. في النهاية، الوقائع السياسية تفرض نفسها، مهما حاول الخطاب تأجيل الاعتراف بها.