الشباب بين إغراء اللحظة ومسؤولية المستقبل: قراءة في تحولات السلوك الاجتماعي

ادارة النشرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
الشباب بين إغراء اللحظة ومسؤولية المستقبل: قراءة في تحولات السلوك الاجتماعي
ادريس طيطي- مجردرأي –
تشهد بعض الفضاءات الحضرية اليوم مظاهر جديدة تستوقف الملاحظ، خصوصا ما يتعلق بسلوك بعض الفتيات في سن مبكرة، حيث يلاحظ حضورهن في مقاه متأخرة الليل، وفي فضاءات الشيشة، وأحيانا في أماكن تطرح حولها أكثر من علامة استفهام، إضافة إلى تأثير واضح لما تنتجه مواقع التواصل الاجتماعي من صور وأنماط حياة جذابة وسريعة الإغراء.
لا يمكن قراءة هذه الظاهرة باعتبارها حالة معزولة أو استثناء بسيطا، بل هي جزء من تحولات اجتماعية أوسع، تتداخل فيها عوامل متعددة، منها ضعف التأطير الأسري في بعض الحالات، ومنها ضغط الواقع الاجتماعي، ومنها كذلك الصورة التي تصنعها المنصات الرقمية عن الحرية والنجاح والجمال والعيش دون قيود.
في كثير من الحالات، يبدو أن بعض الشابات في عمر الزهور يعتقدن أن هذه المرحلة من الشباب والجمال والحيوية مرحلة دائمة لا تتغير، وأن بإمكانها أن تكون رصيدا مفتوحا لا ينضب. هذا التصور قد يدفع أحيانا إلى الانخراط في سلوكيات تقوم على الاندفاع، وعلى البحث عن القبول السريع، أو الارتباط بنمط حياة يبدو في ظاهره جذابا ومفتوحا، لكنه في العمق قد لا يكون آمنا أو مستقرا.
ومن بين التحولات التي تستوقف الملاحظ كذلك، أن بعض الفتيات قد تعرض عليهن فرص حقيقية للاستقرار عبر الزواج، أو بناء أسرة، أو التفكير في مستقبل أكثر توازنا ومسؤولية، بل وأحيانا فرصة لمساندة أسرهن والانتقال إلى مسار حياة أكثر استقرارا. غير أن بعضهن يرفضن هذه الفرص، ليس بالضرورة عن سوء نية، بل أحيانا تحت تأثير تصور معين للحياة في هذه المرحلة العمرية.
ففي هذا السن، قد تختزل الحياة عند البعض في لحظة عيش سريعة، أو في مفهوم ضيق يقوم على اللعب والحرية المطلقة والمتعة المؤقتة، وكأن العمر لا يتغير وكأن الشباب حالة دائمة. هذا الفهم يجعل بعض الاختيارات تبنى على الاندفاع أكثر من بناء المستقبل، وعلى الرغبة في الاستمتاع باللحظة أكثر من التفكير في العواقب البعيدة.
وفي كثير من الحالات، لا يكون القرار فرديا بالكامل، إذ تلعب الصداقات والرفقة دورا مؤثرا، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في توجيه السلوك والمسار. فبعض العلاقات قد تدفع نحو نمط عيش معين، أو تطبع هذا النمط على أنه هو الحياة الطبيعية، دون وعي كاف بما قد يترتب عنه لاحقا.
ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا المسار، في بعض الحالات، إلى نتائج صعبة وغير متوقعة، من تشتت اجتماعي أو نفسي، أو انقطاع عن الاستقرار الأسري، أو الانزلاق نحو بيئات هامشية، أو حتى التشرد في الحالات القصوى. وهي نتائج لا تحدث فجأة، بل تتشكل تدريجيا حين يغيب التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الرغبة في العيش والقدرة على بناء المستقبل.
وقد يكون من المهم التأكيد أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الحرية نفسها، بل في غياب الوعي بطبيعة الزمن وتغيراته، وبأن ما يظن أنه عمر مفتوح للعب فقط، هو في الحقيقة مرحلة تبنى فيها الاختيارات الكبرى التي تحدد ملامح المستقبل.
إن هذه الظواهر تحتاج إلى قراءة هادئة بعيدة عن التعميم أو الإدانة، لأن الهدف ليس وصم فئة معينة، بل فهم التحولات التي تجعل بعض البدايات تنحرف عن مسارها الطبيعي. فكل إنسان في هذه المرحلة يحتاج إلى وعي يذكره بأن الجمال لا يدوم، وأن الظروف تتغير، وأن ما يبدو اليوم فرصة قد يتحول غدا إلى عبء إذا لم يبن على أساس سليم.
وفي النهاية، تبقى الحياة مسارا طويلا يحتاج إلى توازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الرغبة في العيش والقدرة على الاختيار السليم، لأن كل ما لا يبنى على وعي، قد يسرق منه الزمن أكثر مما يعطيه.
#تحولات_الشباب
#سلوكيات_اجتماعية
#وسائل_التواصل_الاجتماعي
#الحرية_والمسؤولية
#الأسرة_والتنشئة
#قراءة_مجتمعية
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة