هل استوعب مدرب السنغال وشركاؤه الدرس ؟ – بين المغرب وأمريكا حكايات – 

ادارة النشرمنذ ساعتينآخر تحديث :
هل استوعب مدرب السنغال وشركاؤه الدرس ؟ – بين المغرب وأمريكا حكايات – 
ادريس طيطي – مجرد رأي –
من يشاهد مدرب السنغال اليوم في الولايات المتحدة، يصعب عليه أن يصدق أنه نفس الشخص الذي تابعناه في المغرب قبل أشهر. هناك فرق شاسع بين الصورتين. في المغرب كان حاضرا في كل التفاصيل، كثير التصريحات، كثير الاحتجاجات، كثير المذكرات والخرجات الإعلامية. أما اليوم فيبدو وكأنه شخص آخر؛ هادئ أكثر من اللازم، شارد الذهن، غائب الحضور، كثير الصمت، عابس الوجه، وكأنه يحمل في داخله أسئلة لا يجد لها أجوبة.
في تقديري، لم يكن ما وقع في المغرب معزولا عن المناخ الإعلامي والسياسي الذي أحاط بكأس أمم إفريقيا. فمنذ الإعلان عن احتضان المغرب للبطولة، كان واضحا أن بعض المنابر الإعلامية الجزائرية تستعد لمعركة موازية للمنافسة الرياضية. بالنسبة للمغاربة لم يكن ذلك أمرا مفاجئا، فقد اعتادوا منذ عقود طويلة على هذا النوع من الخطاب العدائي والتشكيكي. بل إن كثيرين يرون أن الأمر امتداد لمسار سياسي وإعلامي عمره أكثر من نصف قرن، وبالتالي لم يكن مستغربا أن تتحول بعض المنصات إلى فضاءات مفتوحة على مدار الساعة لرصد كل صغيرة وكبيرة تخص المغرب.
ورغم أن المملكة كانت تواجه في تلك الفترة ظروفا طبيعية استثنائية مرتبطة بالفيضانات والأحوال الجوية، فإنها واصلت استعداداتها لإنجاح البطولة. والكوارث الطبيعية تبقى أمرا تفرضه الطبيعة على جميع الدول، ولا يمكن لأحد التحكم فيها. لكن ما يحز في النفس، في نظر كثير من المغاربة، هو حين تتحول تلك الظروف إلى مادة للتشفي أو الاستثمار الإعلامي أو محاولة التقليل من حجم المجهودات المبذولة.
لقد وفر المغرب ملاعب حديثة، وبنيات تحتية متطورة، وفنادق من الطراز الرفيع، ووسائل نقل وخدمات لوجستية متقدمة، وسخر إمكانياته لإنجاح التظاهرة القارية. ورغم ذلك، ظلت بعض الأصوات تبحث عن أي تفصيل لصناعة أزمة أو افتعال جدل لا علاقة له بكرة القدم.
غير أن ما أثار الاستغراب أكثر لم يكن ما صدر من الجزائر، لأن المغرب اعتاد مثل هذه المواقف، وإنما ما صدر عن بعض الأطراف السنغالية، وعلى رأسها المدرب الذي تحول فجأة إلى طرف أساسي في معظم السجالات. فالرجل لم يكن يكتفي بالحديث عن الأمور التقنية، بل كان يخوض في كل الملفات تقريبا، ويحتج على التحكيم، ويعلق على التنظيم، ويثير ملفات جانبية صنعت كثيرا من التوتر.
وكان السؤال الذي يطرحه كثير من المغاربة آنذاك: ما الذي يدفع منتخبا وشعبا شقيقا تجمعه بالمغرب روابط تاريخية وروحية وإنسانية عميقة إلى الانخراط في هذا المناخ المشحون؟
فالمغرب والسنغال ليسا بلدين عابرين في تاريخ بعضهما البعض. تجمعهما روابط دينية وثقافية وإفريقية راسخة، وعلاقات قائمة على الاحترام والتعاون منذ عقود طويلة. ولهذا شعر كثير من المغاربة بالألم أكثر مما شعروا بالغضب، لأن ما صدر من بعض الأطراف السنغالية بدا بعيدا عن طبيعة تلك العلاقات الأخوية.
ورغم كل ذلك، اختار المغرب التجاوز. لم ينجر إلى التصعيد، ولم يسع إلى الرد بالمثل، ولم يسمح بتحويل الخلافات الرياضية إلى صدام بين شعبين شقيقين. لقد تصرف بمنطق الدولة التي تدرك أن ما يجمعها بالسنغال أكبر بكثير من مباراة أو بطولة أو تصريحات عابرة.
كما أن ما يُحسب للجمهور المغربي هو الحكمة الكبيرة التي أظهرها في لحظات التوتر. فلو فقدت الجماهير أعصابها وانزلقت إلى ردود أفعال غاضبة، لكان من الممكن أن تتطور بعض الأحداث إلى مشاهد خطيرة لا تخدم أحداً. لكن الوعي الجماعي غلب في النهاية، وتم احتواء كل التوترات دون الانجرار إلى ما كان يريده البعض من فوضى أو صدام.
اليوم، ونحن نتابع المشهد في الولايات المتحدة، تبدو الصورة مختلفة تماما. اختفى الضجيج الذي كان يحيط بالمدرب السنغالي. لم نعد نراه يفتح الجبهات نفسها، ولا يكرر الاحتجاجات ذاتها، ولا يصنع العناوين التي كان يصنعها في المغرب. بل أصبح أكثر تحفظا، وأكثر صمتا، وأكثر التزاما بالقوانين والبروتوكولات.
والأكثر إثارة للانتباه أن المدرب الذي كان يحتج على كل شيء تقريبا في المغرب، غادر كأس العالم بصمت. لم نره يثير ضجة بسبب قرارات تحكيمية، ولم نشاهده يفتح معارك إعلامية، ولم نسمعه يعلق على الظروف المحيطة بالمنافسة بالطريقة التي اعتادها الجميع منه سابقا. بدا وكأنه شخص مختلف تماما.
وفي المقابل، يظهر أن الأطراف التي كانت تمنحه مساحة واسعة في السابق أصبحت منشغلة بأهدافها الخاصة وحساباتها الرياضية. وكأن الرسالة غير المعلنة كانت: لقد انتهى الدور الذي كنت تؤديه، والآن عليك أن تواجه الواقع وحدك.
هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل أدرك المدرب السنغالي أن الضجيج الإعلامي لا يصنع الانتصارات؟ وهل اكتشف أن من يدفعك إلى واجهة الصراع في مرحلة معينة قد يختفي عندما تأتي لحظة الحساب الرياضي؟
ربما لا يملك أحد الجواب الكامل. لكن المؤكد أن الصورة التي رأيناها في أمريكا تختلف جذريا عن الصورة التي شاهدناها في المغرب. بين الحماسة المفرطة هناك، والصمت المطبق هنا، وبين الاحتجاجات المتواصلة هناك، والهدوء الكامل هنا، تبدو المسافة كبيرة جدا.
لذلك يبقى السؤال مطروحا: هل استوعب مدرب السنغال الدرس أخيرا؟ أم أن الأيام المقبلة وحدها هي التي ستكشف ما إذا كانت تلك التجربة قد غيرت قناعاته فعلا أم أنها مجرد هدنة فرضتها الظروف والنتائج؟
#كأس_إفريقيا_المغرب_2025
#كأس_العالم_2026
#مدرب_السنغال
#المنتخب_السنغالي
#المغرب_أمريكا
#قراءة_في_المشهد_الرياضي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة