في نعي عبد الكبير… الدعاء يجمع أهل البوشتيين وتوقظ الذاكرة أسماء الأحبة

ادارة النشر3 أغسطس 2026آخر تحديث :
في نعي عبد الكبير… الدعاء يجمع أهل البوشتيين وتوقظ الذاكرة أسماء الأحبة
إدريس طيطي -حي البوشتيين –
قبل كل شيء، دعونا نترحم على هذا الشاب،  المسمى قيد حياته عبد الكبير، الذي غادرنا في ريعان شبابه. اللهم ارحمه رحمة واسعة، واغفر له، وأسكنه فسيح جناتك، وألهم والديه وأهله وإخوته وأقاربه وكل محبيه الصبر والسلوان. فالموت حق، لكن حين يختطف شابا يكون وقعه أشد على القلوب، وإن كان كل راحل يترك خلفه حزنا لا ينسى.
اليوم نحن في نعي عبد الكبير، لكن وأنا أجلس وسط هذه البنية او ما تسمى الخزانة، شعرت أن الأمر أكبر من مجرد مجلس عزاء. شعرت أن حي البوشتيين كله حاضر، برجاله ونسائه، بأحيائه وراحلِيه، وكأن الزمن عاد بنا سنوات طويلة إلى الوراء.
القارئ الذي يتلو القرآن ليس غريبا عن هذا الحي. إنه واحد من أبنائه، يعرف الكبير والصغير، لأن والده، المرحوم با الدشراوي، كان من الوجوه المعروفة منذ أيام البراريك. كان له حانوت يعرفه الجميع، وكان في كل عيد أضحى يخرج ليذبح أضاحي الأسر التي لا تجد من يقوم بذلك، دون مقابل، ابتغاء مرضاة الله، ويصطحب معه ابنه وهو صغير ليتعلم معنى خدمة الناس. نسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناته، وأن يرحمه رحمة واسعة.
فور انتهاء القارئ من التلاوة، يبدأ يدعو لأهل الحي، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، وترحم على من غادروا، ودعا بالشفاء للمرضى. كان يذكر الأسماء وكأنه يعيد أصحابها إلى مجالسنا، فكل اسم يحمل حكاية، وكل دعاء يوقظ ذكرى.
ومن أجمل ما يميز البوشتيين هذه البنية او الخزانة بالدريجة  التي أصبحت عنوانا للتكافل. فما إن يرحل أحد أبناء الحي حتى يتحرك الفريق المكلف بها وبكراسيها وما يصاحبها   لنصبها  وترتيب كل ما يلزم، بينما تتكفل نساء الحي بإعداد الطعام واستقبال الوافدين، ليبقى أهل الفقيد متفرغين لمصابهم واستقبال أقاربهم. إنها مبادرة ساهم فيها أبناء البوشتيين، وربما ساهم فيها أيضا محسنون من خارج الحي، لكنها أصبحت اليوم صدقة جارية، وعنوانا للمحبة والتضامن، نسأل الله أن يجعلها في ميزان حسنات كل من ساهم فيها.
وأنا أجول بعيني بين الحاضرين ، لم أكن أرى مجلس عزاء فحسب، بل كنت أرى البوشتيين بكل أجياله. رأيت من هم أكبر منا، ومن هم من جيلنا، ومن هم أصغر سنا، اجتمعوا تحت خيمة واحدة يوحدهم الدعاء والوفاء. ومع كل اسم كان القارئ يذكره، كنا نستحضر وجها وأثرا وذكرى؛ رجالا ونساء كانوا بالأمس بيننا، ننتظر لقاءهم ونتبرك بهم، فإذا بهم اليوم يسكنون دعاءنا. لقد بنوا أعشاشهم، وربوا أبناءهم، ثم مضى بعضهم إلى جوار ربه، بينما طار الأبناء ليبنوا أعشاشا أخرى، وتلك هي سنة الله في الحياة: أجيال تسلم الأمانة لأجيال، ويبقى الأثر الطيب والذكر الحسن لا يرحلان.
اليوم لم يكن مجلس عزاء فقط، بل كان لقاء مع الذاكرة. كل اسم ذكره القارئ أعاد إلينا وجها افتقدناه، وكل دعاء أعاد إلينا إنسانا مر من هنا وترك أثرا طيبا. أدركت أن الإنسان قد يغيب بجسده، لكنه يبقى حيا في قلوب من أحبهم، وفي دعوات من عرفوه، وفي الخير الذي تركه خلفه.
رحم الله عبد الكبير، ورحم جميع رجال ونساء  حي البوشتيين  وكل المسلمين و المسلمات، وشفى مرضاهم، وجعل لقاءنا بمن سبقونا في جنات النعيم. وحفظ الله هذا الحي وأهله، وأدام بينهم روح المحبة والتكافل التي كانت وستظل أجمل ما يميز البوشتيين.
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة