بقلم/ ادريس طيطي لا خلاف في أن العلاقات المغربية القطرية تقوم على أسس متينة، تجمع بين الروابط السياسية والدبلوماسية والمواقف الرسمية التي عكست في مناسبات عديدة دعم قطر للمغرب ووحدته واستقراره. ولذلك فإن إثارة موضوع بعض الأصوات التي تهاجم المغرب من الأراضي القطرية لا ينبغي أن تفهم باعتبارها موقفا من الدولة القطرية، بقدر ما هي مساءلة لظاهرة أصبحت تستحق التوقف عندها. فالمغربي عندما يسمع مؤثرا مثل يوسف جوشو يتحدث عن سبتة باعتبارها “مدينة سبتة التي على حدود المغرب”، لا يتعامل مع العبارة باعتبارها مجرد وصف جغرافي. سبتة بالنسبة للمغاربة قضية سيادة وذاكرة وتاريخ، ولذلك فإن استعمال توصيف يتجاهل هذه الحقيقة يثير الاستغراب، خصوصا عندما يصدر عن شخص يعيش في بلد تجمعه بالمغرب علاقات وثيقة. ناهيك عن الإساءة للمغرب و المغاربة في اكثر من مناسبة. المشكلة لا تكمن في أن شخصا عبر عن رأي مخالف للمغاربة، فهذا أمر طبيعي في عالم مفتوح تتعدد فيه الآراء والمواقف، وإنما في أن يتكرر خطاب يستهدف المغرب ورموزه من منصات موجودة خارج حدوده، وفي بعض الأحيان يتحول من الاختلاف السياسي الى خطاب استفزازي يسعى الى جذب الانتباه عبر الإساءة. وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام مجرد مواقف فردية متفرقة، أم أن هناك نمطا من الخطاب يستحق القراءة؟ فحين تتعدد الأصوات والمنصات التي تتناول المغرب بالطريقة نفسها، وحين تتجاوز بعض المضامين النقد السياسي لتقترب من التحريض وإثارة البلبلة، فإن الأمر لا يعود مجرد اختلاف في الرأي، بل يصبح ظاهرة إعلامية تستحق المساءلة. والمغرب ليس دولة تخشى النقد. بل إن النقد المسؤول جزء من الحياة العامة، ومن حق أي صحفي أو مؤثر أن يناقش السياسات والقرارات وأن يطرح الأسئلة الصعبة. لكن هناك مسافة واضحة بين النقد وبين الإهانة، وبين المعارضة في الرأي وبين محاولة تأليب الناس بعضهم على بعض. وتزداد حساسية المسألة عندما تكون هذه المنصات موجودة في دولة شقيقة للمغرب. فكما أن المغرب لا يمكن أن يقبل باستعمال أراضيه للاعتداء على دولة تربطه بها علاقات صداقة، فمن الطبيعي أن يتساءل المغاربة عن حدود المسؤولية عندما تصدر من منصات موجودة في قطر خطابات تستهدف بلدهم. ولا يعني ذلك اتهام قطر بالوقوف خلف هذه المواقف، فهذا استنتاج لا يمكن إطلاقه من دون دليل. كما لا يعني المطالبة بمنع الأفراد من التعبير عن آرائهم. القضية أبسط وأعمق في الوقت نفسه: هل توجد حدود مهنية وأخلاقية ينبغي أن تحكم الخطاب الإعلامي عندما يتعلق الأمر بدولة شقيقة؟ السؤال يصبح أكثر أهمية عندما نرى بعض المنصات تتعامل مع الأحداث المغربية بمنطق الإثارة، وتستثمر في التوترات الاجتماعية والاحتجاجات، وتعيد تقديم الوقائع بطريقة قد تزيد من الاحتقان بدل أن تساعد على فهمها. فالمشكلة ليست في تناول الأحداث، وإنما في الطريقة التي تقدم بها، وفي الهدف الذي يمكن أن ينتج عنها عندما يتحول الإعلام من نقل الواقع الى صناعة الغضب. وقد أظهرت السنوات الماضية أن بعض الصفحات والحسابات التي تدار من خارج المغرب تستطيع التأثير في النقاش الداخلي، خصوصا عندما تستثمر في الأزمات الاجتماعية أو الخلافات السياسية. ومع انتشار وسائل التواصل، لم تعد الحدود الجغرافية تمنع أي منصة من الوصول الى المواطن المغربي، بل أصبح خطاب يصدر من الخارج قادرا على التأثير في الداخل خلال ساعات قليلة. أما الجزائر، فالوضع مختلف. فالموقف الجزائري من المغرب معلن منذ عقود، والخلاف بين البلدين لم يعد سرا، كما أن دعم الجزائر لجبهة البوليساريو جزء معروف من سياستها تجاه قضية الصحراء المغربية. ولذلك فإن المغاربة يعرفون مصدر هذا الخطاب وسياقه السياسي، مهما اختلفوا معه. لكن ما يثير التساؤل هو أن نجد خطابا مشابها يصدر من فضاءات موجودة في بلد تربطه بالمغرب علاقات أخوية وثيقة. وهنا لا يبحث المغاربة عن خصومة جديدة مع قطر، ولا يريدون تحويل تصريحات مؤثرين الى أزمة بين دولتين، وإنما يريدون فقط أن يفهموا كيف يمكن أن تتعايش العلاقات الرسمية القوية مع حملات متكررة تستهدف المغرب من بعض المنصات الموجودة على الأراضي القطرية. إن قوة العلاقة بين الرباط والدوحة تجعل معالجة مثل هذه الظواهر بالحكمة والوضوح أفضل من تركها تتراكم. فالعلاقات بين الدول لا تبنى فقط بالمواقف الرسمية، وإنما تحتاج أيضا الى وعي بما يمكن أن يسيء إليها من خطابات فردية أو حملات إعلامية. والمطلوب هنا ليس إسكات أحد، ولا مصادرة حرية التعبير، وإنما وضع الأمور في نصابها. من حق أي شخص أن ينتقد المغرب، ومن حق أي إعلامي أن يختلف مع سياساته، لكن ليس من حق أحد أن يجعل من النقد وسيلة للتحريض أو لنشر الفتنة أو لزعزعة الاستقرار. فالمغرب عرف خلال السنوات الماضية محاولات متعددة لاستثمار بعض الأزمات الداخلية في خلق التوتر، وظهرت منصات خارجية حاولت تقديم نفسها وكأنها صوت للشارع المغربي، بينما كان خطابها في كثير من الأحيان يقوم على المبالغة والاستفزاز. ولذلك أصبح من الضروري أن يميز المواطن بين الإعلام الذي يختلف معه وبين المنصة التي تريد أن تستثمر في غضبه. وفي النهاية، لا تحتاج العلاقات المغربية القطرية الى مزيد من التوتر، كما لا يحتاج المغاربة الى خصومة مع شعب شقيق. ما يحتاجه الأمر هو قدر من الوضوح والمسؤولية، حتى لا تتحول حرية التعبير الى غطاء للإساءة، ولا تتحول المنصات الإعلامية الى أدوات لخلق الانقسام. لقد اعتاد المغاربة على سماع خطاب عدائي من جهات معروفة بمواقفها السياسية، لكنهم يتوقفون عندما يأتي الخطاب نفسه من فضاء يفترض أنه قريب وصديق. ومن هنا فإن السؤال سيظل قائما: من يستفيد من توسيع دائرة الخصومة، ومن له مصلحة في تحويل منصات موجودة في دول شقيقة الى ساحات تستهدف المغرب ورموزه؟ قد تكون الإجابة في حسابات فردية، وقد تكون في البحث عن المشاهدات والانتشار، وقد تكون وراءها أهداف أخرى. لكن المؤكد أن المسؤولية تقتضي ألا يسمح لأي مؤثر أو منصة بأن يجعل من العلاقات بين الشعوب مادة للفتنة. فالصداقة بين الدول لا تعني منع الاختلاف، لكنها تعني احترام السيادة، والابتعاد عن الاستفزاز، وعدم تحويل حرية التعبير الى سلاح ضد استقرار بلد شقيق. والمغرب لا يطلب من أحد أن يصمت، لكنه يطلب فقط أن يكون الاختلاف مسؤولا، وأن يبقى الاحترام متبادلا. هذه هي الصيغة التي تقصدها: سرد واحد متصل، بلا “محور أول” أو “محور ثان” أو عناوين داخلية، مع انتقال طبيعي بين الأفكار. #أبواق_من_قطر #المغرب #قطر #المغرب_وقطر #العلاقات_المغربية_القطرية #المغرب_أولا #السيادة_الوطنية #وحدة_المغرب #سبتة_مغربية #الصحراء_المغربية #حرية_التعبير #الإعلام_المسؤول #الاعلام_المغربي #استقرار_المغرب #المغرب_خط_أحمر #إدريس_طيطي #مجرد_رأي