محمد زيات – ممثل ومخرج مسرحي – في المشهد الإعلامي، لا شيء يثير الانتباه أكثر من تلك اللحظة التي ينقلب فيها الناقد إلى مُمارس لنفس ما كان يرفضه بالأمس. وهي مفارقة لا تمر مرور الكرام، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالإعلام السياسي، حيث المصداقية ليست مجرد خيار، بل شرط أساسي للثقة. قبل فترة، لم يُخفِ ذو الفقار موقفه النقدي من تجربة توفيق بوعشرين، معتبرًا أن برنامجه “كلام في السياسة” لا يمثل الجسم الصحفي كما ينبغي، وأنه يفتقد، ضمنيًا أو صراحة، لمقومات العمل الإعلامي الرصين. كان ذلك موقفًا واضحًا، يحمل في طياته حكمًا قيميًا على نموذج إعلامي قائم. لكن اليوم، يجد المتابع نفسه أمام تجربة جديدة بعنوان “في السياسة”، تحمل من حيث الشكل العام ملامح قريبة جدًا من نفس القالب الذي كان محل انتقاد: بودكاست سياسي، خطاب مباشر، تحليل للأحداث الجارية، بل وحتى تقارب في التسمية يكاد يضع التجربتين في مرآة واحدة. هنا تبرز الأسئلة المشروعة: هل نحن أمام تطور في الرؤية؟ أم أمام تناقض في الموقف؟ هل هو اجتهاد في نفس الحقل؟ أم استنساخ يفتقد لمسافة الإبداع؟ في الإعلام، ليس عيبًا أن تستلهم فكرة أو تشتغل ضمن قالب متداول، فالبودكاست السياسي أصبح اليوم فضاءً مفتوحًا يتقاسمه الجميع. لكن الإشكال يبدأ حين يغيب “الاختلاف”، حين لا تضيف التجربة الجديدة ما يبرر وجودها، لا من حيث العمق ولا من حيث زاوية المعالجة. وإذا كان الحكم في النهاية للمتلقي، فإن المقارنة تفرض نفسها. فبين “كلام في السياسة” و*“في السياسة”*، لا يتعلق الأمر فقط بالتسمية، بل بجوهر التحليل. الأول، مهما اختلفنا معه، يملك نبرة واضحة وخيطًا ناظمًا في طرحه، بينما يبدو الثاني—في كثير من الأحيان—أقرب إلى قراءة سطحية للأحداث، تفتقد للتفكيك العميق والسياق المركب الذي ينتظره المتابع من مادة سياسية. إن قوة أي برنامج تحليلي لا تقاس فقط بجرأة الطرح، بل بقدرته على الإقناع، على بناء فكرة، وعلى احترام ذكاء الجمهور. وهنا تحديدًا، يصبح التحدي أكبر: ليس في تقليد الشكل، بل في امتلاك الجوهر. ما يثير الانتباه في هذه الحالة ليس مجرد تشابه البرامج، بل التحول من موقع النقد إلى موقع إعادة إنتاج نفس النموذج، دون تقديم بديل نوعي يبرر هذا التحول. وهو ما يجعل التجربة تبدو، في نظر كثيرين، أقل من مستوى التوقعات، بل وأقرب إلى “نسخة باهتة” من فكرة سبق انتقادها. في النهاية، الإعلام ليس ساحة لتصفية المواقف بقدر ما هو مجال لبناء المعنى. ومن ينتقد نموذجًا إعلاميًا، يكون مطالبًا—أخلاقيًا ومهنيًا—أن يقدم ما هو أفضل، لا ما يشبهه دون روح. فالمشكل ليس في “الحديث في السياسة”، بل في كيف نتحدث فيها.