بين جشع المستغلين ونبل الناشئة… حين أعاد أطفال المغرب للعيد معناه الحقيقي

ادارة النشرمنذ ساعتينآخر تحديث :
بين جشع المستغلين ونبل الناشئة… حين أعاد أطفال المغرب للعيد معناه الحقيقي
ادريس طيطي – مجرد رأي –
تناولت في مقالات كثيرة حالة الاستغلال التي أصبحت تخنق تفاصيل حياتنا اليومية، وكتبت غير مرة بغضب عن سلوكات فقدت روح الرحمة، وعن أشخاص صاروا يرون في أزمات الناس وأسواقهم ومناسباتهم مجرد فرصة للربح، ولو على حساب تعب البسطاء وكسرة قلوبهم.
كنت أكتب أحيانا وأنا أشعر أن شيئا ما تغير فينا، وأن الإنسان صار يرهق أخاه الإنسان دون أن يهتز له ضمير أو يؤلمه وجع.
ومع هذا كله…
تملكني هذه المرة شعور مختلف، شعور جميل أعاد إلي شيئا من التفاؤل الذي كدنا نفقده وسط هذا الزحام القاسي.
فأحيانا، وبين كل الخيبات، تحس وكأن قطرات صغيرة من السماء تنزل على أرواحنا المتعبة، قطرات تفاؤل خفيفة، لكنها قادرة على أن تنسينا قسوة البعض، وتعيد إلينا الإيمان بأن الخير ما زال يسكن هذا الوطن، وأن القلوب النقية لم تختف بعد.ذلك تماما ما شعرت به وأنا أرى تلك الناشئة الصغيرة وهي تجمع التبرعات، وتبحث عن طرق لإدخال فرحة العيد إلى قلوب عاملات النظافة وبعض الأسر البسيطة.
مشهد جعلني أتوقف طويلا، ليس لأنهم اشتروا أضاحي فقط، بل لأنهم أعادوا إلينا صورة المغرب الذي نحب… مغرب التعاون، والتراحم، والإحساس بالآخر.

لقد جاء هذا العيد هذه السنة بطعم مختلف، بطعم الاستثناء الذي أثقل كاهل الناس، وجعل كثيرين يعيشون صراعا حقيقيا مع الغلاء ومع موجة الاستغلال التي ظهرت في أكثر من مجال.
رأينا من يستغل من موقعه، ومن جعل حاجة الناس بابا للربح السريع، بدءا من بعض الكسابة والشناقة، مرورا ببعض تجار الخضر والأواني، وصولا إلى بعض أصحاب النقل وغيرهم ممن اعتبروا المناسبة فرصة لرفع الأسعار وإثقال جيوب البسطاء أكثر فأكثر.
وأمام هذه المشاهد، صار الإنسان يتساءل بحزن:ماذا أصابنا؟
ولماذا وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها البعض لا يرحم حتى في المناسبات التي خلقت أصلا للرحمة؟
لقد كان العيد فيما مضى مناسبة للتعاون، وكان الناس يسند بعضهم بعضا، ومن لم يستطع وجد من يساعده، وكانت صلة الرحم والتكافل الاجتماعي جزءا من صورة المجتمع المغربي.
أما اليوم، فقد أصبح كثيرون ينظرون إلى الآخر فقط من زاوية المصلحة، حتى صار البعض يتألم لراحة غيره بدل أن يفرح بها.
لكن، وسط كل هذا الضجيج، جاءت تلك الناشئة الصغيرة لتمنحنا درسا كبيرا دون خطب طويلة ودون شعارات فارغة.
خرجوا ببساطة، جمعوا التبرعات، وفكروا في عاملات النظافة داخل مؤسستهم التعليمية، لأنهم يعرفون جيدا وضعهن الهش، ويعرفون أن رواتبهن الهزيلة قد تعجزهن حتى عن اقتناء أضحية العيد، فقرروا أن يكونوا سندا لهن في صمت جميل يحمل من الإنسانية ما لا تحمله خطابات كثيرة.
هؤلاء الصغار فعلوا ما عجز عنه كثير من الكبار.
أعادوا التذكير بأن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يقدمه للآخرين، وأن العيد ليس استعراضا ولا سباقا نحو المظاهر، بل إحساس بالناس ورحمة بهم.
وأنا شخصيا، حين رأيت تلك الصور، شعرت بفرح حقيقي.افتخرت بهم كثيرا، وفرحت لأنني رأيت شيئا يعيد الأمل وسط هذا الكم من السلوكيات المحبطة.
لهذا أقول بكل وضوح: هذه الناشئة تستحق الدعم، تستحق التشجيع، تستحق أن نسلط عليها الضوء إعلاميا، وأن نساندها نفسيا ومعنويا وماديا أيضا، لأننا في حاجة إلى نماذج كهذه أكثر من أي وقت مضى.
لا أرى أي مشكل في أن نساعدهم على الاستمرار، أو أن نشارك أعمالهم، أو أن نشجع الناس على دعمهم، بل بالعكس، هذا واجب، لأن تشجيع الخير يصنع خيرا آخر، والطفل الذي يرى مبادرة جميلة قد يتحول غدا إلى صاحب مبادرة أجمل.
نحن كثيرا ما نتحدث عن المستغلين، وعن الجشع، وعن السلوكات التي أرهقت المجتمع، وهذا واقع لا يمكن إنكاره، لكن في المقابل هناك أيضا مغاربة كثيرون تعاونوا وتضامنوا واشتروا الأضاحي للأسر المحتاجة وساعدوا الناس بصمت بعيد عن الضجيج.
ولهذا كانت هذه المبادرة مؤثرة، لأنها جاءت في الوقت المناسب تماما، وكأنها رسالة تقول لنا:
لا تحكموا على المجتمع فقط من خلال صور الاستغلال، فهناك دائما وجوه أخرى تعيد التوازن وتبقي الأمل حيا.
إن أخطر شيء قد نصل إليه هو أن نفقد الإيمان بالخير، لكن مثل هذه المبادرات تجعلنا نطمئن أن المغرب ما زال قادرا على إنجاب ناشئة تحمل قيما جميلة، ناشئة تؤمن بالتعاون بدل الأنانية، وبالتكافل بدل الاستغلال، وبالرحمة بدل القسوة.
لهذا، فبين كل صور الجشع التي رأيناها هذه الأيام، كانت هذه الناشئة بمثابة ضربة أخلاقية قوية لكل المستغلين، ورسالة صامتة تقول لهم إن المغاربة الحقيقيين لا تختزل صورتهم في الطمع، بل في التضامن والمروءة والإحساس بالآخر.
#التضامن_المغربي
#الخير_مازال
#عيد_الأضحى
#دعم_الناشئة
#المغرب_الإنساني
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة