ستيني في ليل المدينة – بوشعيب… حين تفضحك الذاكرة

ادارة النشر5 يوليو 2025آخر تحديث :
ستيني في ليل المدينة – بوشعيب… حين تفضحك الذاكرة

إدريس طيطي
الواقع بالخيالي (الحادي عشر)

هذا انا… كما اعتدت، الستيني في ليل المدينة، صياد الوجع وصاحب الحكايات المصلوبة على ارصفة الذكرى. لكنني الليلة لم اخرج… لم اقو على الخروج.

حمى داهمتني كغضب مفاجئ، كأن كل الحكايات التي اقتنصتها طوال الليالي السابقة اجتمعت لتحاصرني، جوقة من الاشباح لا ترى… أصوات متشابكة، وجوه مرت من بين سطوري، ضحكات، شهقات، آهات، وخراب يسكنني ولا أجد له إسما.

فجأة، تهاوت الحكايات جميعها، كأنها لم تكن، وتقدمت صورة واحدة طغت على البقية، استقرت في زاوية دافئة من القلب… بوشعيب.

أجل… بوشعيب، ذلك الفتى الذي كان صديقي، رغم أنه يكبرني بأربع سنوات. بوشعيب الذي كنت احسد اناقته، واقول للحلاق: لماذا لا تحلق لي كبوشعيب؟ فيضحك ويقول: وهل لك شعر كشعر بوشعيب؟ ضحكته كانت مزاحا، لكنها كانت تحز في قلبي… كم كنت اريد ان اشبهه.

لم يكن يقرأ ولا يكتب، لكنه كان يأتي الي كلما أراد أن يكتب رسالة حب… وكان ما اكثر ما يريد. كل يوم إسم جديد، كل يوم فتاة مختلفة، وانا اكتب له بأسلوبي نفسه، واسأله: كم لك من قلب؟ ومن هي التي تحب؟ وهو يضحك ويطلب مني ان أقرأ عليه الرسالة، تارة يطلب أن أضيف شيئا فيها، وأحيانا اسأله عن جوابهن، فلا يريد الخوض، وأتجنب إحراجه وكنت اظن انه لا يسلمها لأحد. كان يحتفظ بها ، كأحلام لا يريد لها ان تتحقق… كانت متعته في الفكرة، لا الفعل.

لم تكن له نية سيئة، كان خجولا، رقيق القلب، يمشي برقة، ويتحدث بهمسة.

نعم ،خذلت العشريني انا الستيني، لأخوض في حاضر بوشعيب…

ثم فجأة… اختفى.

سنوات وانا لم أره. الى أن قادتني قدماي ذات ليلة الى الحي الذي كان يسكن فيه، وسألت عنه… فكان الجواب صدمة أزاحت ما تبقى من الحمى عن رأسي، وألقت علي قنبلة من نوع آخر.

– بوشعيب؟ مات في السجن.كيف!!!!

قلت بصوت مرتبك: بوشعيب؟ الحنون ؟الانيق؟ الرياضي؟ الخجول؟

قال أحدهم، وفي صوته نبرة من الاسى: بوشعيب قتل رجلا وامرأة، في ليلة خمر قذرة. باع والده بيت العائلة، وانفرط عقدهم بعد وفاة أمه، وتفرق الاخوة، وبقي بوشعيب عند خاله، الذي كان يتاجر في المخدرات، وعلمه الحرفة، وسلمه للهاوية.

لم اصدق… بوشعيب الذي لم يجرؤ أن يعطي رسالة لفتاة، يتحول الى قاتل؟ ذاك القلب الرقيق الذي كنت أعرفه… كيف تحوّل؟ هل جف؟ هل تحجر؟ هل كانت الحياة قاسية الى هذا الحد؟ أم كنا نحن من غادره حين احتاجنا؟

قيل لي أن الحكاية بدأت حين علم ان معشوقته كانت مع أحد اصدقائه في جلسة خمرية… استدرجهما، وفي لحظة غضب، ارتكب جريمته.

في فراشي، وقد بدأ الدفء يعود الى أوصالي، أحسست انني انا من اقترف خيانة في حق بوشعيب… خيانتي انني حفظته كما كان، صورة بريئة في ذاكرتي، ولم اتخيل ان صورته قد تصدعت، أن النقاء ترك وحيدا في قلبه حتى صرخ.

يا ليتني لم أسأل عنه. يا ليتني لم أزر ذلك الحي. يا ليت صورة بوشعيب بقيت كما كانت… عشرينيا يحمل رسائل العشق في جيبه، لا يسلمها لأحد.

لكن الحقيقة دائما أوسخ مما نظن. والبراءة لا تحميك من القدر.

هذا انا… الستيني في ليل المدينة. اعود الليلة لا بشيء جديد، بل بألم قديم… بصديق ضاع في الزحام، واسئلة لا جواب لها:

لماذا يسقط النبلاء؟ لماذا يتحول الرقيقون الى حجارة؟ هل نحن من يخذلهم… ام الحياة؟

ربما كان علي ادأن أظل مريضا… على الاقل، كنت سأحتفظ بصورة بوشعيب الذي أحب، لا بوشعيب الذي قتل.

وربما… كان علي أن أتوقف عن البحث في الوجوه القديمة، وأن أصمت حين تصرخ الذاكرة، وان أغلق النافذة حين يمر الليل. لكني لا أفعل… لا أفعل ابدا.

لانني ببساطة… هذا انا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة