من باب العتاب… لا الشماتة: لماذا تبدو الجزائر وحيدة في مواجهة الكوارث؟

ادارة النشرمنذ 19 دقيقةآخر تحديث :
من باب العتاب… لا الشماتة: لماذا تبدو الجزائر وحيدة في مواجهة الكوارث؟
:
​إدريس طيطي – مجرد رأي –
​الكوارث الطبيعية لا تعترف بقوة الدول ولا بضعفها، ولا تفرق بين دولة غنية وأخرى فقيرة. فقد رأينا حرائق مهولة وفيضانات وزلازل تعجز أمامها حتى الدول الأكثر تقدما. لذلك، فإن طلب المساعدة أو قبولها ليس انتقاصا من السيادة، بل دليل على تغليب حياة الإنسان على أي اعتبار آخر.
​وإذا كانت الحرائق التي تجتاح الجزائر اليوم قد خلفت مآسي مؤلمة، فإنها في الوقت نفسه كشفت عن أسئلة يصعب تجاهلها. وهذا المقال ليس شماتة، ولا منا، ولا تباهيا، وإنما عتاب صادق نابع من حرصنا على شعب جار تجمعنا به روابط الدين والجغرافيا والتاريخ.
​لقد وضعت الحرائق الجزائر أمام واقع صعب، وأظهرت أن مواجهة هذا الحجم من النيران بوسائل تقليدية وآليات محدودة يجعل السيطرة عليها أكثر تعقيدا. ومن المؤلم أن دولة بحجم الجزائر، بما تمتلكه من ثروات وإمكانات مالية كبيرة، تجد نفسها في مواجهة حرائق هائلة بإمكانات يرى كثيرون أنها لا تعكس حجم تلك الثروات؛ فمثل هذه الوسائل قد تعتمدها دول فقيرة محدودة الموارد، أما الجزائر فكان المنتظر منها أن تكون أكثر استعدادا لمثل هذه الكوارث.
​والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يتعلق الأمر فقط بالإمكانات، أم بطريقة تدبير الأولويات؟ فلو خصص جانب أكبر من الموارد لتعزيز أسطول الطائرات المتخصصة في إخماد الحرائق، وتجهيز الحماية المدنية بأحدث الوسائل، لكان ذلك استثمارا مباشرا في حماية الإنسان والغابات والممتلكات، لأن الثروات لا تصنع القوة إلا إذا أُحسن توظيفها في خدمة المواطن.
​ومن زاوية أخرى، يبدو أن تراكم السياسات والخلافات الإقليمية وضع الجزائر في حالة من العزلة جعلت دائرة التضامن معها أضيق مما هو معتاد مع دول أخرى عند وقوع الكوارث. فبينما تتسابق الدول عادة إلى عرض المساعدة على البلدان المنكوبة، لم يكن المشهد مع الجزائر بنفس الزخم. والمغرب، في أكثر من مناسبة، أعلن استعداده لوضع إمكاناته رهن إشارة الجزائر إذا طلبت ذلك، غير أن هذا العرض قوبل بالرفض.
​وفي المقابل، روجت بعض المنابر الإعلامية وأصوات مؤثرة لخطاب يعتبر أن قبول المساعدة المغربية قد يفتح الباب أمام مخاطر سياسية أو أمنية، وصلت إلى حد الاتهام بالتجسس لصالح الكيان الإسرائيلي والأمريكي، وأن الأمر يتجاوز البعد الإنساني؛ وهو خطاب يروج لتغيب الشعب وجعله يتقبل هذا الواقع. إلا أن مثل هذا الخطاب لا يطفئ حريقا، ولا ينقذ إنسانا، بل يزيد من تعقيد لحظة تحتاج إلى الحكمة والتعاون، بينما يبقى المواطن هو المتضرر الأول.
​فالكل يعلم أن الجزائر أنفقت أموالا طائلة في دعم مواقف خارجية وتقديم مساعدات لدول مختلفة، غير أن تلك النفقات ارتبطت في أحيان كثيرة بحسابات سياسية أكثر من ارتباطها ببناء شراكات استراتيجية متينة. ولذلك، فإنها لم تتحول عند وقوع الأزمات إلى شبكة واسعة من التضامن الدولي كما كان منتظرا.
​أما تونس، فهي تبقى من أقرب الدول إلى الجزائر سياسيا، غير أن إمكاناتها الاقتصادية واللوجستية لا تسمح بتقديم الدعم الجوي الكبير الذي تتطلبه حرائق بهذا الحجم، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى محدودية مواردها مقارنة بما تتوفر عليه الجزائر من ثروات.
​فما تعيشه الجزائر اليوم هو نتاج تراكمات سياستها الخارجية خلال السنوات الماضية. دعونا نتذكر  المواقف التي أثارت جدلا واسعا  دعمها للنظام السوري السابق بقيادة بشار الأسد، في وقت كانت فيه سوريا تعيش واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة، وما رافقها من قتل وتهجير لملايين السوريين. كما تداولت تقارير إعلامية وسياسية، على نطاق واسع، ومشاركة عناصر من جبهة البوليساريو إلى جانب قوات النظام السوري بدعم جزائري، وهو ملف عاد إلى الواجهة بعد سقوط نظام الأسد وتناقلته وسائل الإعلام. مواقف تركت أثرا سلبيا على صورة الجزائر لدى شريحة واسعة من الشعوب، وأسهمت في تعميق عزلتها السياسية وإضعاف رصيدها.
​إن الدول لا تبنى مكانتها بثرواتها فقط، بل بحسن إدارة مواردها، وبناء جسور الثقة مع محيطها، وتغليب المصالح الإنسانية على الحسابات السياسية الضيقة. فالسياسات التي تراكم الخصومات قد تجعل الدولة تجد نفسها وحيدة عندما تحتاج إلى تضامن الآخرين.
​إن العتاب هنا ليس موجها إلى الشعب الجزائري، بل إلى الخيارات والسياسات التي أوصلت بلدا غنيا بالموارد إلى وضع يبدو فيه في حاجة ماسة إلى وسائل كان يفترض أن تكون متوفرة منذ سنوات. فالكوارث لا تنتظر الخلافات السياسية، والنار لا تميز بين مؤيد ومعارض.
​ولو تعرض المغرب، لا قدر الله، لمثل هذه الحرائق، فلن يكون عيبا أن يطلب أو يقبل المساعدة من أي دولة شقيقة أو صديقة، لأن إنقاذ الأرواح مقدم على كل الحسابات. ولهذا، فإن المغرب حين يعرض المساعدة لا ينبغي أن يُفهم ذلك على أنه منّة أو استعراض، بل هو واجب يمليه الدين والجوار والإنسانية.
​ويبقى الأمل أن تتحول هذه المأساة إلى فرصة لمراجعة الأولويات، وإعادة بناء علاقات أكثر توازناً مع المحيط، وأن تنتصر مصلحة الشعوب على منطق الصراعات؛ لأن الأوطان تقوى بالتعاون، أما الكوارث فلا تواجه بالشعارات، وإنما بالإعداد الجيد، وحسن تدبير الموارد، والانفتاح على كل يد تمتد لإنقاذ الإنسان.
​إنها رسالة عتاب لا رسالة شماتة؛ فالمصائب لا تفرق بين الشعوب، والجار لا يشمت في جاره، وإنما يتمنى له السلامة، ويمد إليه يد العون متى استطاع.
#الجزائر #حرائق_الغابات #المغرب #المساعدات_الإنسانية #حسن_الجوار #السياسة #العتاب

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة