حين يغيب العقل.. مفارقة المعبود العاجز ونعمة التوحيد

ادارة النشرمنذ 59 دقيقةآخر تحديث :
حين يغيب العقل.. مفارقة المعبود العاجز ونعمة التوحيد
ادريس طيطي – مجرد رأي –
تتوقف العين كثيرا امام بعض مقاطع الفيديو التي تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا ذلك المشهد الذي اصبح يظهر كثيرا على الفايسبوك: رجل هندي يتجول في مناطق من الهند شبه عار، لا يرتدي سوى قطعة صغيرة تشبه ما نسميه في المغرب كوشة الاطفال، ويمشي وسط الناس دون حرج او خجل، بين النساء والاطفال والرجال والشيوخ، بينما يحيط به اشخاص يقدمون له الخدمة والتعظيم، وفي بعض المشاهد يظهر حتى رجال الامن وهم يرافقونه او يحرسونه.
المشهد لا يمر بالنسبة لي مرور الكرام. انه مشهد مستفز، ومقزز من زاوية الفطرة والحياء، ويضعنا امام سؤال اكبر من صورة رجل يتجول عاريا: ماذا يحدث للعقل عندما تتحول بعض الممارسات الى عنوان للقداسة؟
قد يكون وراء هذا السلوك اعتقاد ديني او فلسفة روحية لها جذورها وتفسيراتها عند اصحابها، وقد تكون هناك قراءات مختلفة لهذا النوع من الممارسات. لكن اختلاف المعتقدات لا يمنع العقل من طرح الاسئلة، ولا يجعل كل ممارسة محصنة من النقاش لمجرد انها تقدم في اطار ديني او روحي.
حين نرى انسانا يتجول بهذه الصورة امام النساء والاطفال والرجال والشيوخ، ثم نرى من يتعامل معه باعتباره شخصا يستحق التعظيم والخدمة، يصبح السؤال مشروعا: اين العقل؟ واين الفطرة؟ وهل يمكن للعقل لو كان حاضرا بكامل وعيه ان يقبل مثل هذه المناظر باعتبارها مظهرا من مظاهر القداسة؟
ان القضية هنا ليست في شخص بعينه، ولا في السخرية من مجتمع او شعب، وانما في المفارقة التي يصنعها التقديس عندما يجعل الانسان يتجاوز اسئلة بسيطة كان يمكن للعقل الطبيعي ان يطرحها منذ البداية.
العقل يقول ان الانسان مخلوق، وان المخلوق لا يتحول الى خالق مهما بلغ من الزهد او الشهرة او المكانة التي يمنحها له اتباعه. والعقل يقول كذلك ان من يستحق العبادة ينبغي ان يكون قادرا على النفع والضر، قادرا على الرزق والحفظ والاحياء والاماتة، لا انسانا يحتاج الى طعام غيره ورعاية غيره وحماية غيره.
وهنا تبرز مفارقة اخرى مرتبطة ببعض صور التقديس التي تجعل من الحيوان ايضا موضعا للعبادة او البركة. فكيف يمكن لعاقل ان يجعل من كائن يحتاج الى طعام الانسان ورعايته معبودا يطلب منه الرزق والخلاص؟ كيف يطلب الانسان من مخلوق ما لا يملكه ذلك المخلوق حتى لنفسه؟
المعبود الحقيقي هو من يرزقك ويحفظك، لا من تحتاج انت الى اطعامه وحمايته حتى يبقى حيا.
وهنا بالضبط تتجلى بالنسبة لنا عظمة الاسلام ونعمة التوحيد.
دعونا نحمد الله بقلوبنا اننا مسلمون بدين جلي واضح، دين لا يجعل الانسان عبدا لانسان، ولا خاضعا لصنم، ولا متذللا امام حيوان، ولا محتاجا الى وسيط بشري حتى يخاطب ربه.
في الاسلام الطريق واضح: الله واحد، والعبادة له وحده، والانسان مخلوق مكرم. لا قداسة مطلقة لبشر، ولا عبادة لمخلوق، ولا حاجة الى طقوس غامضة حتى يصل الانسان الى ربه.
قال تعالى: قل هو الله احد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا احد.
هذا هو التوحيد الذي يحرر الانسان من كل اشكال العبودية لغير الله. يحرر عقله قبل جسده، ويحفظ كرامته، ويضعه في المكان الذي يليق به: عبدا لله، لا عبدا لمخلوق.
والاسلام لا يطلب من المسلم ان يلغي عقله حتى يؤمن، بل يفتح امامه ابواب التفكير والتدبر والنظر. فالقرآن يسأل: افلا تعقلون؟ ويدعو الى التدبر والتفكر والنظر في خلق الله.
انه دين الفطرة والمنطق، دين واضح في غايته: نعبد الله وحده، ونعمل في الارض، وننتج، ونبني، ونحسن الى الناس، ونعيش بكرامة، ونرجو رحمة الله في الدنيا والاخرة.
قال تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.
انها دعوة الى الحياة والعمل واعمار الارض، لا الى تعطيل العقل ولا الى تقديس البشر ولا الى الاستسلام للخرافة.
ولعل اكثر ما يلفت الانتباه في هذه المشاهد ان الانسان عندما يغيب عقله يمكن ان تتحول اشياء كثيرة الى مقدسات، ويمكن ان يصبح ما يرفضه الحس الطبيعي مقبولا باسم العقيدة، ويمكن ان يتحول انسان عادي الى موضع تعظيم لمجرد ان جماعة من الناس نسبت اليه مكانة روحية.
اما عندما يحضر العقل، فانه يسأل ويتأمل ويميز.
ومن هنا فان المشهد الذي يتكرر امامنا في مواقع التواصل الاجتماعي لا يدفعني الى احتقار اصحابه، ولا الى الحكم على شعب كامل من خلال مقطع، لكنه يدفعني الى التأمل في نعمة عظيمة قد لا نشعر بقيمتها كل يوم: نعمة ان يكون للانسان دين واضح، وعقيدة واضحة، ورب واحد لا يحتاج الى انسان مثله لكي يصل اليه.
نحن مسلمون، وهذه نعمة تستحق الحمد.
نحمد الله على نعمة التوحيد، ونحمده على نعمة العقل، ونحمده على نعمة الفطرة التي تجعل الانسان يميز بين الخالق والمخلوق، وبين العبادة والتقديس، وبين الاحترام الذي يستحقه الانسان والعبادة التي لا تكون الا لله.
فاذا غاب العقل، يمكن ان يصبح المستفز مقدسا، والغريب مألوفا، والمخلوق معبودا.
اما اذا حضر العقل واستقامت الفطرة، فان اول سؤال يطرح نفسه هو: من يستحق العبادة؟
والجواب الذي جاء به الاسلام واضح لا يحتاج الى تعقيد: الله وحده.
فالحمد لله الذي هدانا الى التوحيد، والحمد لله الذي اكرمنا بالعقل، والحمد لله الذي جعل لنا دينا جليا واضحا، لا نحتاج فيه الى تقديس انسان، ولا الى عبادة مخلوق، ولا الى البحث عن طريق غامض بيننا وبين خالقنا.
#حين_يغيب_العقل
#مفارقة_المعبود_العاجز
#نعمة_التوحيد
#نعمة_الإسلام
#العقل_والفطرة
#دين_الفطرة
#التوحيد
#حرية_العقل
#كرامة_الإنسان
#بين_العقل_والعقيدة
#مجرد_رأي
#إدريس_طيطي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة