ادريس طيطي – مجردرأي – لا شك أن ما يجمع الشعبين المغربي والتونسي أكبر بكثير من مباراة كرة قدم، وأعمق من نتيجة عابرة، وأرسخ من أن تهزه تصريحات انفعالية أو خرجات إعلامية متشنجة. فالمغرب وتونس تجمعهما روابط التاريخ واللغة والدين والمصير المشترك، وتجمعهما قبل كل شيء مشاعر الأخوة والمحبة التي ظلت صامدة أمام كل محاولات التشويش والتفرقة.
ومن هذا المنطلق، فإننا نتقاسم مع أشقائنا التونسيين مشاعر الحزن التي خلفها خروج منتخبهم من كأس العالم بعد نتائج لم تكن في مستوى تطلعات جماهيره. ونعلم يقيناً أن الشعب التونسي هو الأقدر على تشخيص أسباب هذا التعثر، والأكثر حرصا على إعادة منتخبه إلى سكة النجاح.
لكن ما يثير الاستغراب حقا هو أن يتحول هذا الإخفاق الرياضي عند بعض الأصوات إلى فرصة لتوجيه الاتهام نحو المغرب، ومحاولة تحميله مسؤولية لا علاقة له بها، في خطاب يبتعد عن النقد الرياضي الموضوعي ويدخل في سجالات جانبية لا تخدم لا الرياضة ولا العلاقات بين الشعوب.
وقد جاءت خرجة إعلامية متهورة وغير مسبوقة لأحد الإعلاميين في تونس، لتعيد طرح أكثر من سؤال حول خلفيات هذا الخطاب: هل هو قراءة انفعالية لحظة غضب؟ أم محاولة مقصودة لتوجيه الرأي العام نحو عدو خارجي لا علاقة له بما جرى فوق أرضية الملعب؟ لأن ما قيل لم يكن في سياق التحليل الرياضي، بل خرج عن نطاقه الطبيعي بشكل واضح.
وقبل الخوض في تفاصيل ذلك، لا بد من التوقف عند مسألة أسيء فهمها أو جرى توظيفها بشكل خاطئ، وهي علاقة المغاربة بملكهم. فمن يجهل طبيعة هذه العلاقة يسيء قراءتها. فالمسألة ليست موضوع مزايدة أو تشويه، بل هي ارتباط وجداني وتاريخي بين شعب ورمزه.
ومن منا نحن المغاربة لا يتمنى لحظة لقاء جلالة الملك؟ ومن لا يعتبر السلام عليه شرفا واعتزازا؟ إنها مشاعر طبيعية نابعة من احترام عميق للرمز الوطني، ولا علاقة لها بما يحاول البعض تصويره خارج سياقه الحقيقي.
لكن العودة إلى أصل الموضوع تفرض سؤالا بسيطا وواضحا: ما علاقة المغرب بخسارة المنتخب التونسي؟ وما موقعه من الإعراب في كل ما جرى داخل هذه المنافسة؟
هل اختار المغرب التشكيلة؟ هل وضع الخطط التكتيكية؟ هل أشرف على التحضير أو التدبير أو صنع القرار الرياضي؟
ومن هنا، فإن محاولة تعليق الإخفاق على شماعات خارجية لا تقدم تفسيرا حقيقيا، بل تعكس عجزا عن مواجهة الأسباب الداخلية التي أدت إلى هذه النتائج.
وقد دأب الإعلام الرياضي، في المغرب كما في غيره من الدول، على تحليل أداء المنتخبات من زاوية تقنية بحتة، كما هو معمول به في كل الاستوديوهات الرياضية العالمية، حيث تناقش الأخطاء والاختيارات والتكتيك دون أي إسقاطات سياسية أو مساس بالمؤسسات أو الرموز.
لكن بعض الردود جاءت خارج هذا الإطار تماما، عبر نقل النقاش من ملعب كرة القدم إلى ساحات أخرى لا علاقة لها بالرياضة، في محاولة لإقحام المغرب ورموزه في سياق لا يمت للموضوع بصلة.
والأخطر أن بعض المفردات المستعملة بدت وكأنها صدى لخطاب جاهز، يردد نفس الاتهامات ونفس الأساليب المعروفة في بعض المنابر الإعلامية التي اعتادت توظيف الرياضة في صراعات سياسية وإيديولوجية لا علاقة لها بالملاعب.
إن هذا النوع من الخطاب لا يعكس قوة الحجة، بقدر ما يعكس حالة انفعال ورغبة في تصدير الأزمة إلى الخارج بدل مواجهتها داخليا. فالهزائم الرياضية تعالج بالمراجعة والنقد الذاتي، لا بالبحث عن خصوم وهميين.
ومع ذلك، فإن المغاربة يميزون جيدا بين الشعب التونسي الشقيق، الذي تجمعهم به روابط الاحترام والمحبة، وبين بعض الأصوات التي اختارت لغة الاستفزاز. فالعلاقات بين الشعبين أعمق من أن تهزها تصريحات عابرة أو مواقف فردية.
أما ما أثير حول المغرب ورموزه، فهو خارج أي سياق نقاش رياضي. فلكل شعب رموزه وثوابته، واحترامها جزء من الاحترام المتبادل بين الأمم، وليس مجالا للمزايدة أو التوظيف الإعلامي.
يبقى السؤال الجوهري مطروحا: إذا خسر منتخب مباراة أو خرج من بطولة، فهل يكون الحل في مراجعة الأخطاء وتصحيح المسار، أم في اختراع عدو خارجي لتحميله مسؤولية الإخفاق؟
النجاح يصنعه العمل، والهزائم تعالج بالنقد المسؤول، أما المغرب، فلا علاقة له بخسارة المنتخب التونسي، ولا يمكن أن يكون شماعة تعلق عليها نتائج لا علاقة له بها.