أمن لا يقل أهمية على أمن المواطنين…ما جدوى زيارات المنتخبين إلى الدول المتقدمة إذا كانت الأزبال تحاصر أحياءنا؟؟

ادارة النشرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
أمن لا يقل أهمية على أمن المواطنين…ما جدوى زيارات المنتخبين إلى الدول المتقدمة إذا كانت الأزبال تحاصر أحياءنا؟؟
إدريس طيطي – مجرد رأي –
حين نتحدث عن الأمن، يتجه تفكيرنا مباشرة إلى الجنود المرابطين على الحدود، وإلى مختلف الأجهزة الأمنية التي تسهر ليلا ونهارا على حماية الوطن والمواطنين. نتحدث عن الشرطة، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، والسلطات المحلية، والوقاية المدنية، وعن كل من يحمل على عاتقه مسؤولية أن ينام المغاربة مطمئنين ويستيقظوا في أمن واستقرار.
ولا يمكن إنكار أن المغرب، بفضل هذه المنظومة المتكاملة، وبفضل التنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين، نجح في ترسيخ الإحساس بالأمان وتعزيز الاستقرار. ورغم ذلك، فإن الجهود لا تزال متواصلة للقضاء على مختلف أشكال الجريمة، لأن الأمن مسؤولية دائمة لا تعرف التوقف.
غير أن الأمن لا يقتصر فقط على مواجهة الجريمة أو حماية الحدود. فهناك أمن آخر لا يقل أهمية، وإن كان أقل ظهورا في النقاش العمومي. إنه الأمن المرتبط بجودة الحياة، وصحة المواطنين، وراحة الأسر، وسلامة البيئة التي يعيشون فيها.
ومن هنا تبرز مقاربة تستحق التأمل. فإذا كانت الأجهزة الأمنية والعسكرية والسلطات المحلية تنسق فيما بينها بشكل يومي ودقيق لحماية الوطن والمواطن، فلماذا لا نرى المستوى نفسه من التنسيق بين المجالس المنتخبة المحلية والإقليمية والجهوية في قطاع لا يقل أهمية عن غيره، وهو قطاع النظافة؟
إننا بحاجة إلى رؤية جماعية تجعل من النظافة قضية أمن عمومي شامل، لأن المواطن الذي يعيش وسط الأزبال والروائح الكريهة والبيئة الملوثة يفقد جزءا من راحته النفسية وسلامته الصحية وكرامته الإنسانية.
كما يحق للمواطن أن يتساءل عن جدوى الزيارات التي يقوم بها بعض المنتخبين إلى أوروبا وآسيا وغيرها من الدول الرائدة في تدبير النفايات والبيئة، والتي تتم في إطار شراكات وتبادل خبرات وتمول من المال العام. فهل الغاية منها التقاط الصور وتوثيق اللقاءات، أم نقل التجارب الناجحة وتحويلها إلى مشاريع ملموسة داخل المدن المغربية؟
لقد استطاعت دول عديدة أن تجعل من النظافة ثقافة يومية ومنظومة متكاملة، تقوم على الفرز من المصدر، وإعادة التدوير، والتوعية المستمرة، والتنسيق المحكم بين الجماعات الترابية والسلطات المختصة، إضافة إلى عقوبات زجرية صارمة في حق كل من يسيء إلى الفضاء العام أو يهدد صحة المواطنين.
وفي تلك الدول لا ينظر إلى رمي النفايات عشوائيا باعتباره مخالفة بسيطة، بل باعتباره سلوكا يمس الصحة العامة والعيش المشترك. لذلك يتم التعامل معه بصرامة، لأن حماية المواطن لا تبدأ فقط من محاربة الجريمة، بل تبدأ أيضا من حماية محيطه اليومي.
ومن جهة أخرى، فإن تدبير هذا القطاع لا يمكن أن يظل رهينا بمنطق الترقيع أو بمنح الصفقات لمن لا يتوفر على رؤية واستراتيجية وخبرة ميدانية. فالنظافة قطاع معقد وحساس يحتاج إلى شركات مؤهلة، تتوفر على الإمكانيات البشرية واللوجستيكية، وتشتغل وفق رؤية واضحة تمتد من التحسيس والتربية البيئية إلى التدخل الميداني والتتبع والتقييم.
كما أن دفاتر التحملات يجب أن تكون صارمة وواضحة، تضمن الاستمرارية والمداومة، لأن هذا القطاع لا يحتمل التوقف. فخلال ساعات قليلة فقط يمكن أن تتحول أحياء بأكملها إلى بؤر للتلوث إذا اختل نظام الجمع أو تعطلت الخدمة.
ولا بد أيضا من قطيعة مع العشوائية في تدبير النفايات. فليس من المقبول أن تختلط النفايات الصلبة بالسائلة، والمخلفات الحادة بالمخلفات المنزلية العادية، في مشهد يشكل خطرا مباشرا على عمال النظافة قبل غيرهم. هؤلاء العمال الذين يواجهون يوميا ظروفا صعبة وروائح خانقة ومخلفات متحللة قد يصعب على المواطن العادي الاقتراب منها لدقائق معدودة، بينما يقضون هم ساعات طويلة في التعامل معها حفاظا على نظافة المدينة.
إنهم يستحقون أجورا عادلة، وظروف عمل لائقة، وتجهيزات حديثة، واستقرارا مهنيا يحفظ كرامتهم ويضمن استمرارية هذا المرفق الحيوي. فالتجارب الدولية الناجحة أثبتت أن الحفاظ على استقرار قطاع النظافة يبدأ من الحفاظ على استقرار العاملين فيه.
لقد آن الأوان للانتقال من تدبير النظافة كخدمة عادية إلى اعتبارها جزءا من الأمن الشامل. أمن صحي يحمي الإنسان من الأمراض، وأمن بيئي يحمي محيطه، وأمن نفسي يوفر له الراحة والطمأنينة، وأمن حضري يجعل المدينة فضاء يليق بكرامة ساكنتها.
فإذا كانت مختلف الأجهزة تتوحد لحماية الوطن من الأخطار، فإن الواجب يقتضي أن تتوحد المجالس المنتخبة والفاعلون الترابيون والمؤسسات المعنية لحماية المواطن من كل ما يهدد صحته وجودة حياته.
ومن أجل وطن اسمه المغرب، لا نحتاج فقط إلى شوارع نظيفة في بعض الأحياء، بل إلى رؤية وطنية تجعل النظافة حقا للجميع، في الأحياء الراقية كما في الأحياء الشعبية، وفي المدن الكبرى كما في المراكز الصغرى، لأن كرامة المواطن لا تتجزأ، ولأن الأمن في معناه الحقيقي يبدأ من حيث يعيش الإنسان يومه العادي. :::
#الجماعات #القنيطرة # قطاع النظافة # المغرب
#الأمن  والأمان
#الشمول
#النظافة
#المدن
#كرامة
#المواطن
#المغرب
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة