ادريس طيطي – مجرد رأي – في الأيام الأخيرة، لم يعد المغاربة وحدهم من يتحدثون عن حسن التنظيم وكرم الضيافة الذي طبع التظاهرات الرياضية التي احتضنها المغرب، بل أصبحت المقارنات تأتي من جماهير وإعلاميين ومؤثرين من مختلف الجنسيات، وهم يوثقون بالفيديو والصورة مشاهد الاستقبال والتنظيم والخدمات التي وجدوها في المغرب، ويقارنونها بما عاشوه في أماكن أخرى. ولعل ما يثير الانتباه اليوم هو أن بعض الأصوات التي كانت لا تفوت فرصة لانتقاد المغرب في أدق التفاصيل، اختارت الصمت عندما وجدت نفسها أمام مشاهد التفتيش المشدد، وصعوبات التنقل، وحرارة الطقس القاسية، وتعقيدات التنظيم التي اشتكى منها كثيرون خلال تواجدهم بمبارات ودية بالولايات المتحدة الأمريكية. أين أولئك الذين كانوا يملؤون المنابر والتصريحات بالحديث عن كل صغيرة وكبيرة في المغرب؟ أين بعض الإعلاميين المصريين وكل الإعلاميين الجزائريين الذين كانوا يعتبرون أي هفوة بسيطة مادة دسمة للهجوم والتشكيك؟ وأين المدرب السينغالي والمدرب المصري والمسؤولون الذين اعتادوا توزيع الدروس في التنظيم والاستقبال؟ المفارقة أن المقارنة هذه المرة لم يصنعها المغاربة، بل صنعها زوار وإعلاميون ومشجعون أجانب وجدوا أنفسهم يعقدون المقارنات تلقائيا بين ما عاشوه في المغرب وبين ما يعيشونه اليوم. لذلك لم يعد المغاربة في حاجة إلى الدفاع عن أنفسهم أو تبرير نجاحاتهم، فشهادة الآخرين كانت أبلغ من كل رد. لكن أكثر ما يلفت الانتباه هو ذلك الصمت المفاجئ الذي أصاب بعض المنتقدين. فالمدرب السنغالي الذي كان يخرج بتصريحات متكررة خلال منافسات احتضنها المغرب، وجد نفسه اليوم أمام ظروف مختلفة وإجراءات صارمة، بينما تعرض الجمهور السنغالي نفسه لصعوبات مختلفة في رحلته نحو المنافسات المقامة بالولايات المتحدة. ومع ذلك لم نسمع الانتقادات نفسها ولا اللغة نفسها التي كانت تستعمل عندما كان الأمر يتعلق بالمغرب. والأمر ذاته ينطبق على المدرب المصري المعروف بتهكماته وانتقاداته المباشرة. فقد أظهرت الصور أفراد الطاقم التقني خلال إحدى المباريات الودية وهم يجلسون على كراس بسيطة بلاسنيكية تحت أشعة الشمس الحارقة بجنبات الملعب، في مشهد كان كفيلا بإشعال عشرات النقاشات لو وقع في المغرب. لكن الصمت كان هذه المرة سيد الموقف، وكأن المعايير تغيرت فجأة. أما المنابر الإعلامية الجزائرية وبعضها بمصر التي كانت تتابع كل ما يتعلق بالمغرب وتخصص ساعات طويلة لتحليل تفاصيل التنظيم، فقد اختفت أصواتها بشكل لافت. لم نعد نرى الحماس نفسه في النقد، ولا الرغبة نفسها في تضخيم الوقائع، ولا السعي المحموم للبحث عن الهفوات. وكأن ما كان عيبا كبيرا في المغرب أصبح اليوم مجرد تفصيل لا يستحق التعليق. والحقيقة أن المغرب لم يكن بحاجة إلى محامين يدافعون عنه. فالأحداث تكفلت بذلك. آلاف التدوينات والتعليقات والفيديوهات القادمة من جماهير وإعلاميين ومؤثرين من مختلف دول العالم كانت كافية لإبراز الفارق. لقد تحدث الآخرون عن المغرب، وقارنوا بين ما وجدوه فيه من تنظيم واستقبال وخدمات وبين ما يعيشونه اليوم في أماكن أخرى. لقد كان المغرب بالنسبة للكثير من الأشقاء أكثر من مجرد بلد منظم لتظاهرة رياضية. كان شقيقا كان من المفروض أن يحظى بالدعم والتشجيع والإنصاف. لكن البعض اختار طريق التحامل والبحث عن كل ما يمكن أن يقلل من قيمة النجاح المغربي. واليوم، بعدما تغيرت المواقع، عادت الوقائع لتكشف حجم التناقض في بعض المواقف. لسنا هنا بصدد الشماتة في أحد، ولا التقليل من شأن أي دولة، فتنظيم التظاهرات الكبرى يظل تحديا معقدا في أي مكان من العالم. لكن من حق المغاربة أن يتساءلوا عن سبب اختلاف ردود الفعل، وعن سر هذا الصمت الذي حل محل الانتقادات الصاخبة بمجرد انتقال المنافسات إلى جهة أخرى. لقد تكلمت الصور أكثر من التصريحات، وتحدث الواقع أكثر من الشعارات، وأصبح كثير ممن كانوا بالأمس يوزعون الدروس مطالبين اليوم بمراجعة مواقفهم قبل انتقاد الآخرين. ويكفي المغاربة أن يجلسوا ويتابعوا ما يجري، وهم يرون العالم ينصف بلادهم بكلمات لم يكتبوها هم، بل كتبها زوار ومشجعون وإعلاميون من مختلف الجنسيات. لذلك يبقى المثل الشعبي المغربي حاضرا بقوة لوصف هذا المشهد: “يخافو ما يحشمو”… فحين كان الأمر يتعلق بالمغرب ارتفعت الأصوات، وحين تعلق بغيره ابتلع كثيرون ألسنتهم، واختاروا الصمت حيث كان يفترض أن يتكلموا..