في مدينة العيون، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ وتتحول الروابط الإنسانية إلى جسور تتجاوز الحدود، وُلدت مبادرة مدنية تحمل رسائل سياسية واجتماعية واقتصادية واضحة: تأسيس الجمعية المغربية الموريتانية للأخوة والتضامن، في خطوة تسعى إلى منح التقارب المغربي الموريتاني نفساً مدنياً جديداً، أكثر تنظيماً وارتباطاً بالواقع اليومي للناس. التأسيس، الذي أُعلن عنه اليوم السبت، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد محطة جمعوية عابرة أو إضافة رقمية إلى خريطة الهيئات المدنية، بل باعتباره محاولة لملء مساحة تحتاج إلى مبادرات عملية قادرة على مواكبة الجالية الموريتانية، وتسهيل التواصل بين الكفاءات والمهنيين، وفتح قنوات جديدة للتعاون بين المجتمعين. فالعلاقات المغربية الموريتانية تمتلك رصيداً تاريخياً وثقافياً واجتماعياً لا يحتاج إلى كثير من الشرح، لكن قوة هذا الرصيد تفرض في المقابل مسؤولية أكبر على الفاعلين المدنيين: تحويل الأخوة من خطاب احتفالي إلى ممارسة يومية، ومن شعار جميل إلى نتائج ملموسة. ووفقاً لنظامها الأساسي، تراهن الجمعية على تطوير العلاقات الإنسانية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين المغرب وموريتانيا، مع إيلاء اهتمام خاص بمواكبة أفراد الجالية الموريتانية والمواطنين مزدوجي الجنسية، فضلاً عن التعريف بالموروث المشترك وتشجيع المبادلات التجارية والاستثمارية. وهنا تحديداً يكمن الرهان الأصعب؛ إذ إن نجاح الجمعية لن يُقاس بعدد الأنشطة والندوات والصور البروتوكولية، وإنما بقدرتها على تقديم قيمة مضافة حقيقية، والدفاع عن منطق التعاون المسؤول، وخلق فضاءات للتواصل المنتج بين الفاعلين من البلدين. كما تسعى الجمعية، برئاسة محمد فاضل الشيخ ماء العينين، إلى بناء شبكة تجمع الأطر والكفاءات والطلبة والمهنيين ورجال الأعمال، بما يسمح بتبادل الخبرات وبلورة مشاريع مشتركة قادرة على خدمة المصالح المتبادلة. وتطمح الهيئة كذلك إلى إقامة شراكات مع المؤسسات والجمعيات ذات الأهداف المشتركة، في محاولة لتوسيع دائرة التعاون وترسيخ ثقافة التقارب المدني بعيداً عن الحسابات الضيقة. إن العيون لا تستضيف مجرد ولادة جمعية جديدة؛ بل تشهد انطلاق اختبار حقيقي لقدرة المجتمع المدني على صناعة جسور أكثر صلابة بين المغرب وموريتانيا. فالزمن لم يعد يسمح بأن تبقى الأخوة مجرد عبارة رنانة؛ المطلوب اليوم فعل، ومبادرة، ونتائج، وحضور يثبت أن ما يجمع الشعبين أكبر من أن تختزله المناسبات وأقوى من أن تهزه العابر من الظروف.