تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حول الصحراء يستحق التوقف عند كل كلمة فيه، ليس لأنه جاء بجديد، وإنما لأنه جمع في دقائق مجموعة من المواقف التي ظلت الجزائر تكررها منذ سنوات.
تبون يقول: «الشعب الصحراوي موجود»، ويضيف أن «قرار مجلس الأمن موجود»، وأن الطرفين المعنيين هما المغرب والبوليساريو، بينما الجزائر وموريتانيا مجرد ملاحظين.
ثم يقول إن الجزائر تستشيرها دول أخرى، لكنها في النهاية تعتبر أن القرار «للصحراويين».
وبعد ذلك تأتي العبارة الأكثر إثارة للاهتمام: «مناش صحراويين أكثر من الصحراويين»، وأن الجزائر لا تملك فكرة خارج الشعب الصحراوي، وإنما هي «سند» له.
هنا بالضبط يبدأ السؤال.
كيف تكون الجزائر مجرد ملاحظ، وفي الوقت نفسه تقول إنها «سند»؟ وكيف تكون القضية شأن الصحراويين وحدهم، بينما تحتضن الجزائر مخيمات تندوف وتبقي هذا الملف في صلب خطابها السياسي والدبلوماسي منذ عقود؟
ثم إن تبون نفسه يقر بأن جيلا كاملا ولد في المخيمات وكبر فيها، ويطرح سؤالا إنسانيا واضحا: هل سيقضي هؤلاء حياتهم كلها تحت الخيام؟
هذه الجملة تحديدا كان ينبغي أن تكون مدخلا لسؤال أكبر: من المسؤول عن استمرار هذا الوضع طوال هذه العقود؟
وهنا يأتي رد عمر هلال، الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، في المكان والزمان المناسبين.
هلال لم يرد فقط على السفير الجزائري، بل رد على الخطاب الذي يمثله السفير، وعلى المواقف التي عاد تبون نفسه إلى تكرارها.
ولهذا بدا الرد كأنه صاروخ عابر للقارات: انطلق من الأمم المتحدة، لكنه لم يتوقف عند السفير الجزائري، بل اتجه مباشرة إلى قلب الخطاب الرسمي الجزائري.
يقول هلال للجزائر، بالمعنى الواضح: منذ خمسين عاما وأنتم تقولون إنكم طرف محايد وغير معني، فمن أنتم إذن إذا لم تكونوا طرفا؟
وهنا يصطدم تصريح هلال مباشرة بتصريح تبون.
تبون يقول: نحن ملاحظون وسند.
وهلال يسأل: إذا لم تكونوا طرفا، فلماذا كل هذا الدور؟
تبون يقول: القرار للصحراويين.
وهلال يرد بسؤال آخر: إذا كان تقرير المصير مبدأ مقدسا بالنسبة لكم، فلماذا لا تطبقونه عندما يتعلق الأمر بالقبائل داخل الجزائر؟
هذه ليست نقطة هامشية في الرد، بل واحدة من أقوى رسائله. لأن هلال لم يناقش تقرير المصير كعبارة مجردة، وإنما أعاد المبدأ إلى الداخل الجزائري، وسأل عن مدى اتساق الموقف عندما يتعلق الأمر بالقبائل.
ثم يذهب أبعد من ذلك، إلى مخيمات تندوف، متسائلا: إذا كنتم فعلا غير معنيين، فلماذا تمنعون المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من تسجيل السكان في المخيمات؟
وهنا يصبح تصريح تبون نفسه بحاجة إلى جواب.
فالرئيس الجزائري يتحدث عن عشرات الآلاف الذين يعيشون في الأراضي الجزائرية، وعن شباب ولدوا سنة 1975 وأصبحوا اليوم في الخمسين من عمرهم، ويتساءل كيف يمكن أن يستمر الإنسان في العيش تحت الخيمة طوال حياته.
لكن هذا السؤال الإنساني لا يمكن فصله عن السؤال السياسي: لماذا استمرت المخيمات كل هذه السنوات؟
ثم ينتقل هلال إلى نقطة أخرى تجاهلها كثيرون عند قراءة تصريحه: الاستقرار.
يقول بوضوح إن المنطقة تعرف عدم استقرار، ثم يضع المغرب في المقابل: «الحدود الوحيدة المستقرة هي المغرب. البلد الوحيد المستقر هو المغرب.»
هذه ليست مجرد جملة في الخطاب. إنها محاولة من هلال لنقل النقاش من الصحراء كشعار سياسي إلى واقع المنطقة كما يراه المغرب: استقرار، مؤسسات، تنمية، ومشاريع على الأرض.
ثم يأتي حديثه عن المدن الصحراوية، وهو من أكثر أجزاء التصريح مباشرة:
«الصحراء جنة، نعم.»
بل يضيف أنها، بحسب وصفه، أفضل من مدن في الجزائر حيث يقف المواطنون في طوابير من أجل القمح والموز والحليب والدقيق.
وهنا وضع هلال الخطابين أمام بعضهما: تبون يتحدث عن الصحراء من زاوية «الشعب» و«تقرير المصير»، بينما هلال يقول: انظروا إلى المدن نفسها، إلى التنمية، إلى ما تحقق على الأرض.
ثم وجه انتقاده إلى إنفاق الجزائر على دعم وتسليح جماعة انفصالية، مقابل ما يصفه بالمشاكل الاجتماعية التي يعيشها المواطن الجزائري.
وبعدها تأتي العبارة التي تختصر فلسفة الرد كله:
«دعوا شعبكم يقرر مصيره أولا قبل أن تطالبوا بتقرير المصير للآخرين.»
أما المغرب، فيقول هلال بوضوح: «المغرب في صحرائه وسيبقى فيها إلى نهاية الزمان.»
ويضيف أن التنمية مستمرة، وأن دولة القانون تتعزز، وأن صحراويين، بمن فيهم من كانوا سابقا في مخيمات تندوف، أصبحوا يديرون جهات ومؤسسات.
وهنا نعود إلى تصريح تبون.
فالرئيس الجزائري يقول إن الشباب الصحراوي يحتاج إلى أفق، وإنه لا يمكن أن يقضي حياته كلها تحت الخيمة.
والرد المغربي، كما جاء على لسان هلال، هو: انظروا إلى الصحراء، إلى المدن، إلى التنمية، وإلى الصحراويين الذين أصبحوا جزءا من تدبير مؤسساتها.
لهذا فإن قراءة التصريحين معا تكشف أن عمر هلال لم يكن يرد على جملة قالها السفير الجزائري في الأمم المتحدة فقط.
لقد كان يرد على السفير، وعلى الخطاب الجزائري الذي يقف خلفه، وعلى تصريحات تبون نفسها.
وهنا تصبح صورة «الصاروخ العابر للقارات» أكثر دقة: صاروخ انطلق من قاعة الأمم المتحدة، لكنه مر فوق خطاب السفير ووصل إلى خطاب الرئيس.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا يحتاج إلى خطب طويلة:
تبون يقول إن الجزائر ليست طرفا، وإنها مجرد سند. هلال يقول: إذا لم تكونوا طرفا، فلماذا كل هذا الدور؟
وتبون يقول إن تقرير المصير حق للصحراويين.
وهلال يسأل: وماذا عن تقرير المصير عندما يتعلق الأمر بالقبائل؟
وتبون يتحدث عن شباب ولدوا في المخيمات ولا ينبغي أن يموتوا تحت الخيام.
وهلال يضع السؤال المقابل: لماذا بقيت المخيمات إذن طوال كل هذه العقود؟
هنا لم يعد الأمر مجرد سجال بين سفيرين.
إنه صدام بين خطابين، أحدهما يكرر العبارات نفسها منذ سنوات، والآخر يحاول تفكيكها بسلسلة من الأسئلة.
ولهذا جاء رد عمر هلال مناسبا للمكان والزمان: في الأمم المتحدة، وأمام السفير الجزائري، وفي مواجهة خطاب يعرفه الجزائريون قبل غيرهم.
وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأوضح هي:
لا نريد مزيدا من الشعارات… نريد موقفا واضحا. هل الجزائر ملاحظ؟ أم سند؟ أم طرف؟
أما الصاروخ العابر للقارات، فقد انطلق من نيويورك… وهذه المرة، كانت وجهته أبعد من قاعة الأمم المتحدة.