دعونا نسلط الضوء على المستجدات الأخيرة، ونرصد الخريطة التي تتشكل بصمت في شمال إفريقيا والساحل. فليس كل ما يجري في المنطقة يحدث بمحض الصدفة، بل يبدو أقرب إلى مسار مترابط من التحركات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية التي تتقاطع عند هدف واحد: إعادة رسم موازين النفوذ الإقليمي في مرحلة تتجه نحو إنهاء النزاعات المجمدة وبناء تحالفات تقوم على المصالح لا الشعارات. في الوقت الذي بدأ فيه الحسم يقترب تدريجيا في ملف الصحراء المغربية، ومع انتقاله إلى مستوى أعلى من الرعاية الدولية، تواصل الجزائر تحركاتها في العمق الإفريقي محاولة تثبيت موقعها الإقليمي عبر مشاريع الطاقة وإعادة تنشيط علاقاتها في الساحل. غير أن هذه التحركات، رغم دلالتها الاستراتيجية، تتزامن مع تحولات دولية أعمق قد تجعل هامش المناورة أضيق مما كان عليه في السابق. فالاجتماع الذي احتضنته مدريد في 8 فبراير 2026 لم يكن مجرد محطة تفاوضية جديدة، بل أعطى إشارات قوية إلى تغير النظرة الدولية لتوازنات شمال إفريقيا، حيث بدا أن مرحلة امتلاك أي طرف قدرة واسعة على تعطيل المسارات السياسية تقترب من نهايتها. وفي خلفية هذا التحول، يظهر تراجع العمق الدبلوماسي التقليدي للجزائر بعد فقدان عدد من حلفائها الأيديولوجيين عالميا وتبدل مواقف شركاء كانوا يوفرون لها سندا سياسيا في المحافل الدولية. في المقابل، تتجه المقاربة الدولية بشكل متزايد نحو دعم نماذج التكامل الاقتصادي بدل استمرار التوازنات القائمة على إدارة النزاعات. وهنا تحديدا يتشكل سيناريو جديد محتمل في المنطقة، يقوم على تعزيز محور اقتصادي يمتد بين الرباط وتونس، بدعم دولي، بهدف بناء فضاء إقليمي يقوم على تنويع الطاقة، وتطوير البنية اللوجستية، وفتح المنطقة أمام سلاسل التجارة العالمية. هذا السيناريو لا يعني بالضرورة خلق اصطفاف سياسي تقليدي، لكنه يعكس تحولا في منطق بناء النفوذ. فالجزائر التي كانت تقدم نفسها لسنوات باعتبارها الركيزة الأمنية الأساسية في المنطقة، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف، حيث لم يعد الدور الأمني وحده كافيا لضمان موقع قيادي، كما أن النموذج الاقتصادي القائم أساسا على الهيدروكربونات لم يعد يوفر نفس القدرة على التأثير في بيئة دولية تتجه نحو تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الترابط الاقتصادي. في المقابل، يبرز الدور الجديد الذي يمكن أن تلعبه تونس إذا استمرت التحولات الحالية، حيث قد تتحول تدريجيا إلى جسر جيو اقتصادي يربط شمال إفريقيا بالأسواق العالمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن دعم الاستثمارات الدولية. ومع تشكل هذا الفضاء الاقتصادي، يصبح النفوذ الإقليمي مرتبطا أكثر بالاندماج الاقتصادي والقدرة على جذب الاستثمارات، لا فقط بالثقل السياسي أو الموارد الطبيعية. وهنا يتبلور السيناريو الأكثر ترجيحا في المرحلة المقبلة. فإذا استمرت الجزائر في مقاربة تقوم على الحفاظ على أوراق الضغط التقليدية، سواء عبر الطاقة أو عبر إدارة النزاعات، فقد تجد نفسها تدريجيا خارج شبكة المصالح الاقتصادية التي تتشكل في المنطقة. أما إذا اختارت إعادة التموضع والانخراط في منطق التعاون الاقتصادي الإقليمي، فقد تحتفظ بدور مؤثر داخل النظام الإقليمي الجديد بدل الوقوف على هامشه. بمعنى آخر، المنطقة لا تتجه بالضرورة نحو إقصاء الجزائر، لكنها تتجه نحو معادلة جديدة واضحة: من ينخرط في منطق التكامل سيجد لنفسه موقعا في الخريطة المقبلة، ومن يراهن على أدوات النفوذ القديمة قد يواجه خطر التراجع التدريجي. من مدريد إلى الساحل، تبدو المرحلة الحالية لحظة إعادة تشكيل كبرى، لا تحسم فيها موازين القوة دفعة واحدة، لكنها ترسم طريقا واضحا لمستقبل المنطقة. وفي هذا الطريق تحديدا، قد تجد الجزائر نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاصطفاف داخل النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل، أو المخاطرة بأن تتحول تحركاتها الحالية إلى عامل يدفعها نحو التهميش بدل استعادة النفوذ