حين يدافع الغريب عن قضيتك.. ويتركك ابن الدار في متاهة التأويلات التي تخدم العدو

ادارة النشرمنذ 48 دقيقةآخر تحديث :
حين يدافع الغريب عن قضيتك.. ويتركك ابن الدار في متاهة التأويلات التي تخدم العدو
بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي
لم أكن أتصور أن أشاهد محللين يتناولان تصريحات بولس مسعد بشأن الصحراء المغربية، فأخرج من متابعة الصحفي المغربي توفيق بوعشرين بشعور من الأسف والغضب، بينما أجد في تحليل الكاتب والصحفي المصري عبدالعال عابد وضوحا في تفكيك التأويلات التي تحاول تحويل كل تصريح أمريكي إلى انتصار سياسي جديد.
ليس الخلاف هنا حول حق الاختلاف في التحليل، ولا حول مشروعية مساءلة الإدارة الأمريكية عن وعودها، وإنما حول الزاوية التي ينطلق منها الصحفي، وما إذا كان تفكيكه للأحداث يساعد القارئ على فهم الوقائع، أم يفتح أبوابا لتأويلات قد تخدم روايات سياسية بعينها.
بولس مسعد.. ماذا قال فعلا؟
تحدث مستشار ترامب عن غياب حل وشيك، وعن انتظار ملاحظات جبهة البوليساريو بشأن المقترح المغربي للحكم الذاتي، وعن استمرار التواصل مع الأطراف.
هذه تصريحات تستحق التحليل والمساءلة. فمن حق الصحفي أن يسأل عن أسباب تعثر المفاوضات، وعن حدود الضغط الأمريكي، وعن حقيقة المواقف الجزائرية، وعن مصير الجولات التي لم تسفر عن اتفاق معلن.
لكن هناك فارقا كبيرا بين القول إن المفاوضات لم تصل إلى اتفاق، وبين تقديم هذا التعثر وكأنه دليل على أن المغرب لم يحقق شيئا، أو أن المبادرة المغربية أصبحت بلا قيمة.
فعدم التوصل إلى اتفاق لا يعني انهيار المقترح المغربي، كما أن استمرار المفاوضات لا يعني أن جميع الأطراف تقف على المسافة نفسها من الحل.
وهنا يبدأ الاختلاف بين تحليل يبحث في دلالات التصريحات، وتحليل يمكن أن يتحول، من حيث النتيجة، إلى مادة جاهزة تتلقفها الدعاية الجزائرية.
توفيق بوعشرين.. حين تصبح الأسئلة مادة للتأويل
ما أثار استغرابي في تحليل توفيق بوعشرين ليس طرحه أسئلة حول الموقف الأمريكي، فهذه وظيفة الصحافة، وإنما الطريقة التي جرى بها ربط تصريح بولس مسعد بمسألة التطبيع مع الجزائر، وباحتمال تراجع الحماس الأمريكي، وبالانتخابات الأمريكية، وبمستقبل المينورسو.
كلها أسئلة يمكن مناقشتها، لكن جمعها في سياق واحد، دون الفصل الكافي بين الوقائع والفرضيات، قد يترك لدى المتلقي انطباعا بأن المسار برمته عاد إلى نقطة الصفر.
والحال أن بوعشرين نفسه أشار إلى أن المغرب قدم تصورا تفصيليا للحكم الذاتي، وأن المفاوضات انعقدت بمشاركة الأطراف المعنية، وأن الجزائر والبوليساريو لم تقدما، وفق عرضه، جوابا حاسما يقود إلى اتفاق.
فلماذا لا يكون السؤال المركزي هو: ما الذي يمنع الانتقال من المقترح إلى الاتفاق؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرار التعثر؟ وما الذي ينبغي أن تكشفه المواقف المعلنة للأطراف؟
بدلا من أن تتحول عبارة «لا يوجد حل وشيك» إلى مدخل لتشكيك واسع في المسار كله.
إنني لا أتهم بوعشرين بنية معينة، ولا أملك دليلا على أن غايته استقطاب المتابعين الجزائريين. لكنني أتساءل عن جدوى خطاب إعلامي يعرف صاحبه أن بعض المتلقين سيقتطعون منه ما يخدم روايتهم، ثم يعيدون نشره باعتباره اعترافا مغربيا بفشل المسار.
وحين نرى حجم التفاعل والتعليقات الجزائرية على مثل هذه المقاطع، وما يصاحب بعضها من سب وقذف للمغاربة ورموزهم، يصبح من المشروع أن نسأل عن مسؤولية الصحفي في تقديم تحليل لا يترك الوقائع رهينة الاقتطاع والتوظيف.
فالصحافة ليست مجرد صناعة للمشاهدات، ولا يكفي أن يكون التحليل مثيرا حتى يكون دقيقا.
عبدالعال عابد.. مواقف تحسب له
في المقابل، تابعت تحليلا للكاتب والصحفي المصري عبدالعال عابد تناول فيه تصريحات بولس مسعد من زاوية مختلفة.
لم ينكر الرجل أن المفاوضات لم تحقق اتفاقا، ولم يدع أن الحل أصبح قريبا، لكنه انطلق من سؤال بسيط: هل قال بولس شيئا جديدا عن واقع المفاوضات، أم وصف وضعا معروفا للجميع؟
ثم انتقل إلى جوهر الخلاف، المتمثل في رفض البوليساريو والجزائر مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بحسب قراءته للمواقف المعلنة.
قد نختلف مع بعض العبارات الحادة التي استخدمها عبدالعال عابد، وقد نناقش بعض استنتاجاته، لكن ما لفت انتباهي هو أنه لم يسمح لعبارة «لا يوجد حل وشيك» بأن تتحول تلقائيا إلى استنتاج بأن المقترح المغربي فقد مكانته أو أن المغرب لم يحقق شيئا.
لقد فصل بين عدم وجود اتفاق نهائي وبين طبيعة المواقف التي تعرقل الوصول إليه.
وهنا وجدت نفسي أتساءل: كيف استطاع كاتب وصحفي مصري أن يفكك التأويلات الجزائرية بهذا الوضوح، بينما يتركنا صحفي مغربي أمام تحليل قد يجد فيه خصوم الوحدة الترابية مادة لترويج روايتهم؟
مواقف تحسب لعبدالعال عابد، ليس لأنه مصري أو لأنه يتبنى موقفا ينسجم مع الموقف المغربي، وإنما لأنه، في هذا التحليل تحديدا، حاول قراءة التصريحات في سياقها، ولم يحول تعثر المفاوضات إلى حكم على القضية برمتها.
وقد يعتقد المشاهد، وهو يتابع التحليلين، أن توفيق بوعشرين جزائري وأن عبدالعال عابد مغربي. لكن الحقيقة أن المواقف لا تحددها الجنسيات، بل ما يقدمه أصحابها من حجج وما يتركونه من أثر في فهم المتلقي.
الجزائر.. حين يصبح كل تصريح مادة للتأويل
ما يثير الانتباه في هذا الملف هو أن كل تصريح أمريكي أصبح مادة لتفسيرات متباينة، وأن غياب الاتفاق النهائي يتيح للأطراف المختلفة تقديم روايات متعارضة عن مسار المفاوضات.
فالجزائر، التي ظلت ترفض مقترح الحكم الذاتي، تجد في كل تعثر فرصة لإعادة تقديم روايتها، وقد يتعلق المتابع بأي تصريح يمكن تأويله على أنه تراجع مغربي أو أمريكي.
لكن غياب اتفاق لا يحسم وحده طبيعة الحل الذي يمكن أن تنتهي إليه المفاوضات، كما أن الحديث عن تعثر المسار لا يعني أن المغرب لم يقدم مقترحه أو أن مواقفه اختفت من طاولة النقاش.
ومن حق المغاربة أن يتساءلوا عن جدوى سنوات المفاوضات، وعن حدود الدور الأمريكي، وعن الكلفة التي يتحملها سكان المنطقة بسبب استمرار النزاع. ومن حقهم كذلك أن ينتظروا من إعلامهم قراءة دقيقة لا تخلط بين التأخر في التوصل إلى اتفاق وبين التراجع عن المواقف المعلنة.
أما تحويل تصريح أمريكي إلى دليل قاطع على انتصار طرف أو هزيمة طرف آخر، فهو قفز على الوقائع.
حين يصبح الغريب أوضح من ابن الدار
هنا أصل إلى جوهر أسفي وغضبي.
أن تجد كاتبا وصحفيا مصريا، لا تربطه بالمغرب رابطة الجنسية، يتناول تأويلات خصوم المغرب ويفككها، بينما يخرج تحليل صحفي مغربي ليترك مساحة واسعة لقراءات يمكن أن يستثمرها الطرف الآخر، فهذا أمر يدفع إلى مراجعة وظيفة الإعلام الوطني في القضايا الكبرى.
ليس المطلوب من الصحفي المغربي أن يردد خطابا رسميا، ولا أن يصمت عن أوجه القصور، ولا أن يتحول إلى ناطق باسم أي جهة. بل المطلوب أن يكون أكثر دقة وصرامة في التمييز بين النقد المشروع والاستنتاجات التي لا تسندها الوقائع.
فالانتماء إلى الوطن لا يعني تعطيل العقل، كما أن استقلالية الصحفي لا تعني تجاهل السياق الذي يمكن أن تستغله فيه الدعاية المضادة.
وأنا، بوصفي صحفيا مغربيا، أرفض أن يكون معيار نجاح التحليل هو عدد المشاهدات أو حجم التفاعل، إذا كان الثمن هو ترك الجمهور أمام روايات متضاربة لا تميز بين المعلومة والتأويل.
قد يختلف المغاربة حول أسلوب بوعشرين، وقد يتفقون معه في بعض أسئلته، لكن النقاش الحقيقي يجب أن يبقى حول دقة ما قاله، وحدود ما استنتجه، ومدى انسجام تحليله مع الوقائع التي استند إليها.
أما عبدالعال عابد، فلا أراه مغربيا لمجرد أنه دافع عن وجهة نظر تتقاطع مع الموقف المغربي، ولا أحتاج إلى منحه جنسية ليست له كي أقدر حججه.
فالحق لا يصبح مغربيا لأن مغربيا قاله، ولا يفقد قيمته لأن مصريا دافع عنه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن يواجه به كل إعلامي يتناول قضية الصحراء: هل نحن أمام تحليل يساعد المواطن على فهم حقيقة المواقف والمفاوضات، أم أمام خطاب يضاعف الالتباس ويترك المجال مفتوحا أمام كل طرف ليقتطع منه ما يخدم روايته؟
#الصحراء_المغربية #مغربية_الصحراء #الوحدة_الترابية #الحكم_الذاتي #المغرب #الجزائر #البوليساريو #الإعلام_المغربي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة