ستيني في ليل المدينة – قنبلة النسب وأوسخ خيانة

ادارة النشر27 يونيو 2025آخر تحديث :
ستيني في ليل المدينة – قنبلة النسب وأوسخ خيانة

إدريس طيطي
الخيال الثامن

هذا أنا… كعادتي، أذرع ليل المدينة بحثا عن حكاية.

أمشي، وكأن قدمي تعرفان الطريق وحدهما، وكأن في كل زاوية ينتظرني صوت، أو آهات أو بوح محروم… وإن لم أجد، أرجع بصيد مختلف: نفسي… حين تحاصرني جوقة الأناوات، تتناوب على جلدي بأسئلتها التي لا ترحم.

“أترهق روحك بحكايا الآخرين، وأنت لا ترى ما فيك!”

وتصرخ أخرى: “كم من نعمة لم تحمدها، وها أنت تنصت لخراب البشر، كأنك بلا خراب؟”

أهز رأسي، وأمضي… أنا الستيني في ليل المدينة، الهارب من الضجيج إلى الضجيج.

لم تكن حكاية الليلة تشبه غيرها.

لا شابة ضائعة على الرصيف، ولا مقامرا بدد ماء وجهه على طاولة من خشب وورق يراهن على كلاب وخيول، ولا امرأة أنهكها الجفاء. ولا رجلا أنست الغربة أبناءه أمره تماما.

حكايتي اليوم… رجل خذل حتى من صلبه. أو من ظنهم صلبه.

كان ثملا… بالكاد ينتبه لما حوله. عقله نصفه في الكأس، ونصفه في الندم. جلست غير بعيد، ترقبت، ثم رميت الطعم:

– “أتعرف أن بعض الصمت أشد وقعا من الخمر؟”

التفت نحوي، عيناه مطحونتان، ولكن بداخلهما إعصار. ابتسم ابتسامة تبكي القلب، ثم سألني:

– “هل قلت شيئا؟”

قلت: – “لا شيء… فقط أحاول ألا أغرق في أفكاري.”

قال، كمن وجد فجوة للحديث:

– “أفكارك تغرق؟ وماذا عن من يغرق في ذريته؟”
قلت في نفسي ماشي بعيد أن يقول هذا الثمل… إنه صيد سهل، للتو بدأ في البوح.

جلست، دون أن أظهر له أني أسمع ما يريد أن يقول.

بدأ يتمتم، ثم قال:

– “أتعلم؟… أنا رجل أنفقت عمري على خمسة… ربيتهم، علمتهم، أنفقت عليهم، وكنت أفتخر.”

صمت قليلا، ثم تمتم: – “كنت أظنهم أبنائي…”

شدني صوته، فيه مرارة لا يمكن افتعالها.

سألته بهدوء:

– “وماذا حدث؟”

ضحك ضحكة ساخرة، وسكب شيئا من قنيمته في جوفه وقال:

– “حدث أنني لست والدهم. ولا واحد منهم. ليسوا من صلبي. خمسة… لا علاقة لي بهم، ولا دم يجمعني معهم.”

رفعت عيني إليه، صمت.

قال، وهو ينهار من داخله:

– “تخيل… طوال حياتي، أعمل ليلا، ألهث من أجلهم. كنت أحرم نفسي لألبي لهم كل ما أرادوا. وكنت أظن أن تعب الأب يثمر حبا. لكنهم… كانوا في صف أمهم دائما.”
أحيانا يريدون الاعتداء علي
“وكنت أكلم نفسي: أي بعد بيني وبينهم.. أي حنان هذا؟ إنه جفاف بعينه”

“حتى أخبرني أحدهم ذات ليلة أن زوجتي… تخونني.”

“لم أصدق، ثم بدأت أراجع الصور، تصرفاتهم، نظراتهم… شككت في الصغير. شككت فيه كثيرا.”

“رفعت دعوى طعن في النسب… فقط للصغير، تخيل… فقط هو. وظهرت التحاليل… وإذا بي أكتشف أنني لا أنجب أصلا.”

صمت. الخمر كان قد بدأ يتبخر من رأسه، وصحوته كانت قاسية كضرب السيف.

قال:

– “أنفقت عمري على أولاد الناس… ليتني تبنيتهم برغبتي، ليتني فقط كنت أعلم… ولكن لا نسب، لا دم، لا ذرة مني تسكنهم.”

“خمس خناجر… كلها في ظهري.”

لم يكن يتحدث إلي وحدي. كان كمن يشكو إلى السماء، إلى الليل، إلى المدينة كلها.

جلست صامتا… كيف أواسي رجلا سحبت من تحته أرضه؟ ليس فقط الأرض… بل الاسم، والدم، والهوية.

غادرته، وأنا كمن يحمل صوته داخله. حقيبتي فوق كتفي، وخيبته في صدري. رجعت أردد في سري:

“تلك أوسخ خيانة سمعتها في حياتي…”

“هل نحن نصب أنفسنا على العذاب؟ هل نخلق المآسي بأيدينا؟ أم نخدع حتى ننسى من نكون؟”

عدت وحيدا، تحاصرني جوقة الأناوات:

“أرأيت؟ هذا أنت لو أنك وثقت أكثر مما يجب.”

“وهذا أنت لو أنك أحببت دون حذر.”

“وهذا أنت… حين تنسى أن العالم لا يرحم.”

أنا الستيني في ليل المدينة… أعود دائما، لأجلدني بما أسمع، وأتطهر بما أحكي.
ربما كي لا أنسى، كم من دمار يسكن الناس.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة