إدريس طيطي . أعلم ان الموضوع شائك، بل من اكثر المواضيع التي تهم العالم العربي، بل العالم باسره. قضية فلسطين ليست قضية شعب بعينه، بل قضية انسانية عادلة، متجذرة في الوجدان، لا يختلف حولها اثنان، والمغاربة كانوا دائما في طليعة من ناصرها قولا وفعلا، تاريخا وموقفا وشعورا. لكن، وحتى لا نقع في القراءة السطحية او في الانسياق خلف الموجة، يصبح من الضروري ان نعمق القراءة، وان نفرق بين الامور، وان نضع كل حدث في سياقه وزمانه. فليس كل تعاطف في وقته، وليس كل خروج يخدم القضية، وليس كل نية حسنة تؤدي بالضرورة الى نتيجة حسنة. نحن اليوم امام عرس رياضي كبير تنظمه المملكة المغربية، كأس افريقيا، وهو ليس مجرد مباريات كرة قدم، بل حدث عالمي له ابعاد رياضية وسياسية واقتصادية واشعاعية. ضيوف من كل الدول الافريقية، عرب واجانب، اعلام عالمي، اعين موجهة الى المغرب، الى تنظيمه، امنه، صورته، استقراره، وكرم ضيافته. كرة القدم اليوم اصبحت قوة ناعمة، لغة عالمية، ووسيلة حضور للدول بين الامم. وحتى فلسطين نفسها شاركت في كأس العرب، وفرحنا لفرحها، ووقفنا معها، ولم يكن في ذلك تناقض بين الرياضة والقضية. فلماذا نصر اليوم على خلط الاوراق، وجعل كل شيء في شيء، وكأن الزمن لا قيمة له، ولا السياق له اعتبار؟ السؤال الصريح: ماذا ستغير خرجة في طنجة اليوم؟ هل ستغير موازين القوى؟ هل ستوقف العدوان؟ ام انها ستخلق بلبلة في لحظة نحن فيها مطالبون بالحفاظ على صورة وطننا امام ضيوفه؟ المغرب اليوم في وضع خاص، عنده ضيوف، وعند المغاربة ثقافة عميقة في الضيافة. حين ياتيك الضيف، تعطيه احسن ما عندك، تفرش له انظف غطاء، تقدم له افضل ما في البيت، حتى ولو حرم اهل الدار انفسهم مؤقتا، فقط لتقول: مرحبا، انت بين اهلك. هكذا يتعامل المغاربة، وهكذا يجب ان نتعامل مع هذا العرس الرياضي. نحافظ على الهدوء، على التنظيم، على الصورة المشرفة، وبعد ان يغادر الضيوف، وبعد ان ينتهي العرس، لكل حادث حديث، ولكل موقف وقته. اما اذا كانت هناك اياد اجنبية تحاول استغلال العاطفة الصادقة للمغاربة لضرب الاستقرار او التشويش على هذا الحدث، فذلك امر خطير يجب الحذر منه. واذا كانت اياد مغربية، فعليها ان تراعي شعور الوطن، وان تفهم ان حب فلسطين لا يكون ابدا على حساب صورة المغرب. نحن مع فلسطين، وسنظل معها، قلبا وقالبا، لكننا ايضا مع المغرب، مع استقراره، مع اشعاعه، مع نجاحه. الحكمة ليست في الصراخ، بل في اختيار التوقيت. ليست في الخروج، بل في معرفة متى نخرج. فالوقت ليس دائما وقت احتجاج، واحيانا يكون وقت استقبال، ووقت فرح، ووقت تقديم اجمل صورة عن وطن نحبه بصدق.