من إشعال الإطارات إلى تهديد الأرواح… إلى متى؟

ادارة النشرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
من إشعال الإطارات إلى تهديد الأرواح… إلى متى؟
 إدريس طيطي  – مجرد رأي  –
يتكرر المشهد كل سنة، وتتكرر معه الأسئلة نفسها. شوارع تتحول إلى ساحات للفوضى، ونيران تشتعل في الأزقة، وحجارة تتطاير في اتجاه رجال الأمن، حتى يخيل لمن يشاهد تلك الصور لأول مرة أننا أمام أحداث استثنائية أو مواجهات عنيفة، بينما الحقيقة أن الأمر يتعلق في الغالب بأطفال ويافعين وشباب صغار السن خرجوا عن كل أشكال الرقابة الأسرية.
لقد تكلمنا كثيرا عن هذه الظاهرة، وتناولناها من زوايا متعددة، لكن استمرارها يؤكد أن المقاربة التقليدية لم تعد كافية. فالتدخل الأمني، مهما بلغت نجاعته، يبقى معالجة لنتائج الظاهرة، بينما المطلوب هو القضاء على أسبابها قبل أن تبدأ.
ورجال الأمن يجدون أنفسهم كل سنة أمام وضع شديد الحساسية، لأن الطرف المقابل في كثير من الأحيان هم أطفال أو قاصرون، وهو ما يجعل عملية التدخل محكومة بضوابط قانونية وإنسانية دقيقة، فيتحول الأمر إلى كر وفر يستنزف الجميع دون أن يضع حدا نهائيا للمشكلة.
ولعل أخطر ما يؤكد أن الظاهرة تجاوزت حدود “الاحتفال” هو ما شهدته مدينة القنيطرة، بحي الوفاء 1، حين ألقيت قنينة غاز صغيرة وسط النيران المشتعلة بالقرب من أسلاك الكهرباء ذات التوتر العالي، في حادثة كان من الممكن أن تتحول إلى كارثة حقيقية لولا التدخل السريع للسلطات المحلية والأمن الوطني والوقاية المدنية. وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل يعقل أن يصل الأمر إلى هذا المستوى من التهور؟ وهل سنظل ننتظر وقوع فاجعة حتى نقتنع بأن المقاربة الاستباقية لم تعد خيارا، بل أصبحت ضرورة لحماية الأرواح والممتلكات؟
ومن هنا، أرى أن المسؤولية الأولى لا ينبغي أن تبقى ملقاة على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، بل يجب أن تنتقل إلى الحلقة الأساسية، وهي الأسرة، عبر تدخل استباقي تقوده السلطة المحلية.
فالسلطة المحلية تمتلك، من خلال أعوان السلطة، معرفة دقيقة بالأحياء وبالأسر، وتعرف المنازل بيتا بيتا، ولذلك فهي الأقدر على إطلاق حملة وقائية قبل عاشوراء بأسابيع، تقوم على التواصل المباشر مع الأسر، وإشعارها بمسؤوليتها القانونية والأخلاقية في مراقبة أبنائها ومنعهم من المشاركة في أعمال الشغب، وإشعال النيران، ورشق الحجارة، والإضرار بالممتلكات العامة والخاصة.
كما أن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، في حدود ما يسمح به القانون، سواء من خلال تحميل المسؤوليات أو التعويض عن الأضرار أو ترتيب الجزاءات القانونية المناسبة، من شأنه أن يدفع كل ولي أمر إلى إعادة حساباته قبل أن يسمح لابنه بقضاء الليل في الشارع.
ولقد لاحظنا هذه السنة أن بعض الأحياء عرفت تراجعا ملحوظا في هذه المظاهر، وهو ما يؤكد أن العمل الاستباقي يؤتي ثماره عندما تتكامل أدوار السلطة المحلية والأسر وباقي المتدخلين. ويكفي أن نستحضر ما كان يعرفه حي البوشتيين في سنوات سابقة، حيث كانت ليالي عاشوراء تتحول إلى ساعات طويلة من الكر والفر بين رجال الأمن ومجموعات من الأطفال واليافعين، مع ما يرافق ذلك من إشعال للنيران ورشق بالحجارة، فتقضي الساكنة ورجال الأمن ليلة بيضاء في احتواء الوضع. أما هذه السنة، فقد سجل الحي تراجعا كبيرا في هذه المظاهر، وهو ما انعكس على هدوء الأجواء وخفف الضغط عن رجال الأمن. ويبدو أن التحرك المبكر للسلطة المحلية، من خلال أعوان السلطة والتواصل مع الأسر وتنبيهها إلى مسؤوليتها في مراقبة أبنائها، كان له أثر إيجابي في تحقيق هذا الهدوء. وهي تجربة تستحق أن تعمم على مختلف الأحياء، خاصة تلك التي تتكرر فيها مثل هذه السلوكات.
لسنا في حاجة إلى انتظار كل عاشوراء حتى نحصي حجم الخسائر، ثم نعود إلى النقاش نفسه في السنة الموالية. ما نحتاج إليه هو استراتيجية وقائية دائمة، تجعل الأسرة شريكا في المسؤولية، والسلطة المحلية قائدا للعمل الميداني الاستباقي، حتى تستعيد عاشوراء بعدها الاجتماعي والتراثي، بعيدا عن مشاهد النيران والفوضى التي لا تسيء إلا إلى المجتمع نفسه.
إن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الحرائق التي تم إخمادها، بل بعدد الحرائق التي منعت من الاشتعال منذ البداية. فالوقاية ليست خيارا، بل هي الطريق الأقصر لحماية أبنائنا، وصون أمن أحيائنا، وتجنيب رجال الأمن والساكنة تكرار مشاهد كان من الممكن تفاديها لو تحركنا قبل أن تشتعل أول شرارة.
#عاشوراء
#القنيطرة
#السلطة_المحلية
#المسؤولية_الأسرية
#الوقاية_خير_من_العلاج
#إدريس_طيطي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة