بقلم/ إدريس طيطي أشعلت تدوينة محمد الفايد نقاشا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تناول فيها موضوع أمية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، في قضية دقيقة وحساسة تتصل بالدين وبالسيرة النبوية، لتتحول في ظرف وجيز إلى مادة للتعليق والرد والتأويل، وكأن الفضاء الافتراضي أصبح ساحة مفتوحة يستطيع فيها كل واحد أن يقول ما يشاء، مهما كانت درجة معرفته بالموضوع أو أهليته للخوض فيه.
وهنا بالضبط ينبغي أن نتوقف قليلا، لا للدفاع عن صاحب التدوينة ولا لمهاجمته، وإنما لطرح السؤال الأهم: من خرج للحديث في هذه القضية، ومن يملك فعلا أهلية الخوض فيها؟ فالقضايا الدينية ليست مجرد آراء عابرة، ولا يمكن أن تقاس بعدد المتابعين أو قوة الحضور على مواقع التواصل الاجتماعي. هناك فرق بين أن يطرح الإنسان سؤالا أو فكرة، وبين أن يتصدى لتفسيرها أو إصدار حكم بشأنها. الدين له علومه ومراجعه وأهله، والفتوى لها شروطها، والنصوص الشرعية لا تؤخذ بمنطق الانطباع الشخصي. ومن حق الناس أن يغضبوا إذا شعروا أن هناك إساءة إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فمكانته في وجدان المسلمين لا تقبل العبث. لكن هل يتحول هذا الغضب إلى سب وقذف وتكفير وتبادل للاتهامات بين الناس على مواقع التواصل الاجتماعي؟ وهل يصبح كل شخص قاضيا ومفتيا يوزع الأحكام كما يشاء؟
نحن لا نعيش في العبث. فإذا كان الأمر يستدعي تدخلا، فهناك مؤسسات الدولة واختصاصاتها. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تدرك مسؤوليتها، كما أن التنسيق مع الجهات المختصة، بما فيها الأجهزة الأمنية، يمكن أن يتم عندما تستدعي القضية ذلك، سواء للاستفسار أو لاتخاذ ما يلزم وفق القانون. أما أن يتحول الأمر إلى محاكمة فايسبوكية مفتوحة، فذلك لا يخدم الدين ولا المجتمع.
المشكلة ليست في الاختلاف، وإنما في اختلاط الأدوار؛ أن يصبح الكل من الفايسبوكيين بين فقيه ومفتي وعلامة، وكل من امتلك منصة متحدثا باسم الدين. فالمعرفة لا تمنحها الشهرة، والأهلية لا يصنعها عدد الإعجابات. وفي المقابل، يبقى سؤال التوقيت مشروعا. فالمغرب يعيش مرحلة دقيقة، ويستعد لاستحقاقات انتخابية مهمة، والبلاد أمام ملفات وطنية واجتماعية واقتصادية ورياضية كبرى. نحن بحاجة إلى حكومة قوية، متماسكة، قادرة على الترافع عن مصالح المغرب والدفاع عن قضاياه والاستجابة لانتظارات المواطنين. أمامنا قضية الوحدة الترابية والحكم الذاتي، وملفات سبتة ومليلية، وتحديات إقليمية متواصلة، وظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، فضلا عن رهانات رياضية كبرى مرتبطة بكأس العالم. وفي خضم ذلك، يفترض أن يكون النقاش الانتخابي منصبا على البرامج والكفاءات ومن يستحق ثقة المواطن، لا على معارك فايسبوكية تستهلك الوقت وتشتت الانتباه عن القضايا الحقيقية. لذلك، ربما نحتاج اليوم إلى إعادة ترتيب الأولويات. ليس المطلوب أن نهرب من النقاش الديني، وإنما أن نضعه في إطاره الصحيح، وأن يعرف كل واحد حدود اختصاصه. فإذا كان هناك نقاش علمي، فليترك لأهل العلم، وإذا كانت هناك مسؤولية تستدعي تدخلا، فمؤسسات الدولة موجودة وتعرف ما عليها أن تفعله. أما الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فمكانته محفوظة في قلوب المسلمين، وذكره يستوجب الاحترام والصلاة والسلام عليه، ولا ينبغي أن يتحول إلى مادة للاستعراض أو التراشق أو البحث عن “البوز”. من خرج فليتحمل مسؤولية كلامه، ومن لم يخرج فليترك الأمر لأهله، ومن سيخرج فليتذكر أن المنصة لا تصنع عالما، وأن الغضب لا يمنح أحدا حق التكفير أو إصدار الأحكام. نحن بحاجة إلى العلم حين يتعلق الأمر بالدين، وإلى المسؤولية حين يتعلق الأمر بالوطن، وإلى برامج حقيقية حين يتعلق الأمر بالانتخابات. أما ما في القلوب والنيات، فالله وحده يعلمه. فلنترك لكل مجال أهله، وللمؤسسات اختصاصاتها، ولنتجه إلى ما ينتظرنا… فالقادم أكبر من مجرد تدوينة.