بقلم: إدريس طيطي في مشهد جديد من مشاهد توظيف الإعلام الرسمي الجزائري للأحداث الدولية، جاءت نشرة إخبارية لتقدم قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلق بـ«Correct the Map» باعتباره محطة لها دلالات مباشرة على قضية الصحراء، قبل أن تنتهي إلى استنتاج سياسي لا يقوله القرار ولا يحمل مضمونه. النشرة بدأت من معلومة صحيحة: الجمعية العامة صوتت على مبادرة تهدف إلى اعتماد خرائط أكثر دقة في تمثيل المساحات الحقيقية للقارات والمناطق الجغرافية، والتعامل مع التشوهات التي تنتجها بعض الإسقاطات التقليدية، وعلى رأسها إسقاط مركاتور، بما يسمح بتمثيل أكثر إنصافا للمساحات، خصوصا القارة الإفريقية. لكن بعد هذه المقدمة، حدث التحول. فبدل أن تظل النشرة داخل موضوع القرار، انتقلت إلى الحديث عن ظهور الصحراء الغربية بشكل منفصل عن المغرب في بعض الخرائط، ثم قدمت ذلك للمشاهد باعتباره «ينسف رواية الألوان المغربية»، قبل أن تذهب أبعد من ذلك بالقول إن هذا الظهور يمثل رسالة دولية مفادها أن «قيام الصحراء قادم لا محالة وباعتراف عالمي». وهنا تحديدا يجب التوقف. لأن الفرق بين ما تقوله الوثيقة وما يراد للمشاهد أن يفهمه منها هو جوهر القضية. تغيير الإسقاط الخرائطي لا يعني تغيير الحدود السياسية. والخريطة التي تعرض منطقة بشكل منفصل لأسباب تتعلق بطريقة التمثيل الجغرافي لا تصبح، بمجرد ظهورها على الشاشة، قرارا دوليا بإنشاء دولة أو اعترافا أمميا بسيادتها. فالخرائط لها تقنياتها، والنزاعات الدولية لها مساراتها السياسية والقانونية. ومن غير المنطقي أن يتحول قرار يتعلق بكيفية تمثيل سطح الأرض إلى قرار يفصل في نزاع دولي عمره عقود. الأكثر إثارة في هذه المعالجة هو أن النشرة لم تكتف بعرض الخريطة، بل نسبت إليها «رسالة دولية» وذهبت إلى التنبؤ بقيام دولة «لا محالة». هنا لم نعد أمام نقل للخبر، وإنما أمام قراءة سياسية أضيفت إلى الخبر حتى أصبح القرار يقول شيئا لم يقله. وهذا النوع من الخطاب الإعلامي لا يحتاج إلى اختلاق وثيقة حتى يصنع رواية مضللة؛ يكفي أن تأخذ وثيقة حقيقية، ثم تمنحها معنى آخر. والسؤال البسيط الذي يختصر المسألة كلها هو: أين يقول القرار إن الصحراء أصبحت دولة مستقلة؟ وأين صوتت الجمعية العامة على قيامها؟ لا توجد مثل هذه العبارات في القرار. أما قضية الصحراء نفسها، فهي موجودة في مسار أممي مستقل، لها قراراتها ومداولاتها ومجلس أمنها ومبعوثها الأممي. ومن يريد مناقشة تطوراتها فالأجدر به أن يستند إلى الوثائق والقرارات التي تتناول القضية مباشرة، لا إلى قرار يخص الخرائط. وهنا لا بد من التذكير بأن قرار مجلس الأمن 2797 لسنة 2025 شكل تطورا مهما في مسار القضية، بعدما جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات ووصفه بأنه الأساس الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق. وهذه هي الوثيقة التي يمكن أن يختلف حولها المحللون والسياسيون، ويمكن للإعلام الجزائري أن يقدم قراءته لها، لكن ذلك يظل نقاشا حول وثيقة تتعلق فعلا بالصحراء. أما أن يصبح «Correct the Map» فجأة «Correct the Sahara»، فذلك شيء آخر تماما. المفارقة أن هذا التوظيف يأتي في وقت تواجه فيه الجزائر تحديات داخلية حقيقية، وفي مقدمتها الحرائق التي تعود كل سنة، وتفرض أسئلة أكثر إلحاحا من البحث عن انتصار إعلامي فوق خريطة. عندما تتكرر الحرائق، ينبغي أن تتكرر معها الدراسات، لا المصطلحات. ينبغي أن تسأل الدولة: لماذا تتكرر الكارثة؟ أين تكمن نقاط الضعف؟ هل منظومة الوقاية فعالة؟ هل الإنذار المبكر يعمل كما ينبغي؟ هل تمت مراجعة تدبير الغابات؟ وهل جرى تقييم كل موسم حرائق بطريقة علمية حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها في الموسم التالي؟ هذه الأسئلة ليست ترفا إعلاميا، وإنما جزء من مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها. أما الاستمرار في وضع عبارات من قبيل «أياد أجنبية» و«مؤامرة» و«المروك» في مقدمة كل أزمة، قبل استكمال التحقيقات والدراسات، فلا يحل المشكلة ولا يحمي الغابة ولا يعيد للمواطن ما فقده. بل إن تحويل الانتباه باستمرار إلى الخارج قد يحرم الدولة من فرصة رؤية الخلل في الداخل. المواطن الجزائري، مثل أي مواطن، لا يحتاج إلى عدو دائم حتى يفهم واقعه. يحتاج إلى إعلام يشرح له لماذا ترتفع الأسعار، ولماذا تتكرر الحرائق، ولماذا تظهر الطوابير، وما الذي تفعله مؤسسات الدولة لمعالجة هذه المشاكل، ومن يتحمل المسؤولية عندما تقع الأخطاء. الإعلام العمومي يفترض أن يكون مساحة للمعلومة والتحقيق والمساءلة، لا آلة لإعادة تدوير نفس القاموس السياسي في كل مناسبة. ومن حق الإعلام الجزائري أن يدافع عن موقف بلاده من قضية الصحراء، ومن حقه أن ينتقد المغرب وأن يقدم روايته السياسية. لكن من واجبه، في المقابل، أن يميز بين الخبر والرأي، وبين الوثيقة والتأويل، وبين ما قالته الأمم المتحدة وما يرغب هو في أن تقوله. قضية الصحراء لا تحتاج إلى خريطة جرى اعتماد إسقاط جديد لها حتى تثبت وجودها في النقاش الدولي، كما أن موقف المغرب منها لا يسقط بسبب طريقة عرض الحدود في خريطة. الملفات الدولية لا تحسمها الألوان على الشاشة، وإنما القرارات والمسارات الدبلوماسية والقانونية. ولهذا فإن المشكلة في هذه النشرة ليست أنها تحدثت عن الصحراء، وإنما أنها أدخلت الصحراء في قرار لا يتحدث عنها، ثم قدمت ذلك الإدخال باعتباره حقيقة أممية. وهنا يصبح المشهد أكثر وضوحا: قرار أممي لتصحيح طريقة رسم العالم، ونشرة إعلامية تريد أن تجعل منه قصة عن تغيير مستقبل الصحراء. قد تتغير الإسقاطات الخرائطية، وقد تتغير طريقة عرض القارات، لكن ذلك لا يغير الحقيقة السياسية والقانونية بعبارات المذيعين.