قراءة في وجهين من الألم

ادارة النشرمنذ 6 ساعاتآخر تحديث :
قراءة في وجهين من الألم
ادريس طيطي – مجرد رأي –
في كل مرة تقع فيها جريمة تهز الرأي العام، يخرج علينا مشهد آخر لا يقل ألما عن تفاصيل الجريمة نفسها… أم تبكي، ترتجف كلماتها، وتحاول أن تنتزع من قلب المجتمع ذرة رحمة لابنها، حتى وإن كانت الصور والفيديوهات والوقائع واضحة وصادمة. وهذا بالضبط ما أعادته قضية المتهم بالاعتداء على سائق حافلة النقل الحضري ما قام به المتهم، وفق المعطيات المتداولة أمام العدالة، لا يمكن اعتباره مجرد “خطأ عابر” أو لحظة طيش بسيطة. نحن أمام فعل خطير عرضت فيه حياة مواطن للخطر، مواطن خرج فقط من أجل لقمة العيش، يقود حافلة ويؤدي عمله اليومي مثل آلاف البسطاء الذين يواجهون قسوة الحياة بصمت. الطريقة التي باغت بها الجاني السائق، واستعمال السلاح الأبيض والتهديد والعنف، كلها تفاصيل تجعل أي إنسان يتساءل: ماذا لو قاوم السائق؟ ماذا لو تطورت الأمور إلى جريمة قتل أو عاهة مستديمة؟ من كان سيعيل أسرته حينها؟ ومن كان سيعيد لأطفاله أباهم إن وقعت الفاجعة؟
المؤلم في مثل هذه القضايا أن بعض الناس يسارعون أحيانا إلى البحث عن مبررات قبل التفكير في حجم الخطر الذي عاشه الضحية. صحيح أن والدة المتهم خرجت تتحدث عن معاناة ابنها النفسية وعن كونه أبا لطفلين ويستعمل الدواء، لكن وسط كل هذا تبقى حقيقة واحدة لا يمكن تجاوزها: الأم تبقى أما. من الصعب جدا أن تتبرأ من ابنها، حتى وهي تشاهد الفيديو وتعاين الواقعة بعينيها. غريزة الأمومة أقوى من المنطق أحيانا، وأقوى من قدرة الإنسان على الاعتراف الكامل بسقوط فلذة كبده في الجريمة.
نحن لا نلوم تلك الأم، لأنها في النهاية تعيش عذابا مضاعفا؛ عذاب ابن متهم أمام القضاء، وعذاب نظرة المجتمع، وعذاب الإحساس بأن ابنها الذي ربته وحلمت بمستقبله صار موضوعا للرعب والخوف. هي تحاول أن تتشبث بأي خيط يخفف عنه، حتى وإن كان ذلك عبر الحديث عن المرض أو الدواء أو الظروف النفسية. وهذا أمر مفهوم إنسانيا، لأن الأم في كثير من الأحيان تكون آخر من يتخلى عن ابنها، مهما كان مذنبا.
لكن في المقابل، التعاطف الإنساني مع الأم لا يجب أن يتحول إلى تبرير للفعل الإجرامي أو التقليل من خطورته. لأن هناك ضحية أيضا، وهناك مواطنون عاشوا لحظات هلع، وهناك مجتمع يريد أن يشعر بالأمان في حافلاته وطرقه وأماكن عمله. فحين يتحول السطو والتهديد بالسلاح إلى مشاهد عادية، يصبح الخوف هو سيد الشارع.
الواقع اليوم يفرض علينا أن نميز بين أمرين: الرحمة بالأسرة التي تعاني، والحزم مع الجريمة التي تهدد الناس. فالقانون وجد لحماية الأبرياء أولا، ولضمان ألا تتحول حياة المواطنين البسطاء إلى مغامرة يومية مع الخوف والمجهول.
وفي النهاية، تبقى صورة الأم وهي تدافع عن ابنها مشهدا إنسانيا مؤلما، لكنها أيضا تذكرنا بحقيقة موجعة: أغلب المجرمين خلفهم آباء وأمهات يعيشون التمزق والخيبة والمرارة… بينما الضحايا هم أيضاً أبناء وأزواج وآباء خرجوا فقط يبحثون عن قوت يومهم، فعادوا محملين بالخوف والصدمة.
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة