لم تعد الحرب الدائرة بين إيران ومحور الولايات المتحدة–إسرائيل مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى حالة ضبابية مركبة، تختلط فيها الحسابات السياسية بالمصالح الانتخابية، وتتقاطع فيها تصريحات المسؤولين مع الوقائع الميدانية بشكل متناقض. في هذا المشهد المعقد، يبدو السؤال عن “كيف ستنتهي الحرب؟” أكثر صعوبة من أي وقت مضى. من جهة، يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمواقف متقلبة، تتأرجح بين التهديد بتدمير البنية التحتية الإيرانية وبين الحديث عن “محادثات مثمرة” قد تقود إلى هدنة. هذا التذبذب لا يعكس فقط أسلوبه السياسي المعروف، بل يكشف أيضا حجم الضغوط الاقتصادية والداخلية، حيث لم تعد كلفة الحرب مجرد أرقام عسكرية، بل تهديدا مباشرا للاستقرار السياسي والأسواق العالمية. في المقابل، لا تبدو إيران مستعدة لتقديم تنازلات مجانية. فهي، رغم الضربات التي تلقتها، ما زالت تحافظ على قدر من الردع، وتصر على خطاب “الصمود والانتصار”، مع استمرارها في توسيع نفوذها الميداني عبر حلفائها، سواء في لبنان أو العراق أو اليمن. هذا الإصرار يجعل أي تسوية شاملة رهينة بتنازلات مؤلمة، لم يبد أي طرف مستعدا لها حتى الآن، ويطرح تساؤلات حول قدرة الدبلوماسية الدولية على فرض أي حلّ واقعي. أما إسرائيل، فتقف في قلب معادلة أكثر تعقيدا. بنيامين نتنياهو لا يخوض فقط حربا خارجية، بل معركة داخلية أيضا، حيث يمكن للحرب أن تكون وسيلة لتثبيت موقعه السياسي أمام تراجع شعبيته والضغط الداخلي المستمر. الإسرائيليون اليوم لا يعيشون مجرد مواجهة عسكرية، بل حالة استنزاف نفسي يومية، بين خوف من الصواريخ وضغط البقاء في الملاجئ، ما يجعل أي قرار لإنهاء الحرب محفوفاً بتكلفة سياسية هائلة. وعلى الأرض، تكشف التطورات عن مفارقة لافتة: رغم إعلان إسرائيل عن إضعاف خصومها، لا تزال الصواريخ تتساقط من إيران وحلفائها مثل حزب الله، مما يعكس هشاشة “الحسم العسكري” ويزيد غموض المشهد. هذه الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني تزيد من صعوبة التنبؤ بمسار الأحداث. إقليميا، دول الخليج والعالم العربي هم من أكثر المتضررين، ليس فقط بسبب التهديدات المباشرة، بل أيضا نتيجة حالة عدم اليقين التي تضرب عمق الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. وفي ظل هذه الضغوط، قد تجد بعض هذه الدول نفسها أمام خيار صعب: إما التزام الحياد الدفاعي، أو الانخراط المباشر إذا تجاوزت التهديدات حدود الاحتمال. أما أوروبا، فتبدو مترددة، بين التلويح بالتهدئة والالتزام بالصمت، وأحيانا الانحياز غير المباشر، دون القدرة على فرض مبادرة دولية قادرة على قلب موازين الصراع، ما يعكس تراجع دورها كوسيط مؤثر. اقتصاديا، العالم كله يدفع الثمن. ارتفاع أسعار النفط، اضطراب سلاسل الإمداد، تراجع الأسواق، كلها مؤشرات على أن الحرب لم تعد قضية إقليمية، بل أزمة عالمية مفتوحة، مع تأثير نفسي واسع على المدنيين الذين يعيشون في مناطق الصراع تحت وطأة الخوف والقلق المستمر. في ظل كل هذه المعطيات، تبقى سيناريوهات النهاية محدودة: إما هدنة هشة لا تعالج جذور الصراع، أو حرب استنزاف طويلة بلا سقف، أو انفجار أكبر قد يجر المنطقة إلى مواجهة شاملة. أما “الاتفاق الشامل” الذي يرضي جميع الأطراف، فيظل طموحا بعيد المنال، وسط تناقضات سياسية، ضغوط اقتصادية، وإصرار عسكري لا يبدو أنه سيتراجع قريبا. .