قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة يطرح أكثر من سؤال حول توقيته وحساباته وتداعياته، ليس فقط على العلاقات بين الدولتين، وإنما أيضا على آلاف الجزائريين الذين يعيشون ويعملون في الإمارات. البيان الجزائري تحدث عن تصرفات وصفها بالاستفزازية والعدائية، وقال إن الجزائر استنفدت كل الوسائل للحفاظ على العلاقات. وفي المقابل، أعلنت الإمارات أملها في أن يكون القرار مؤقتا، مؤكدة تمسكها بالروابط التي تجمعها بالشعب الجزائري. لكن بعيدا عن لغة البيانات، يبقى السؤال الأهم: ماذا ستخسر كل دولة من هذه القطيعة؟ الإمارات اليوم دولة مرتبطة بشبكة واسعة من المصالح الدولية، وتراهن على الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والاقتصاد الرقمي والشراكات الاستراتيجية. وفي الوقت الذي أعلنت فيه الجزائر القطيعة، كان الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد في ألمانيا، حيث أعلنت أبوظبي عن حزمة استثمارات إماراتية بقيمة 40 مليار يورو، إلى جانب اتفاقيات ومذكرات تفاهم بمليارات اليوروهات. هذه الصورة وحدها تكشف اختلافا في طريقة إدارة الدولة للمصالح: هناك من يحول الثروة إلى استثمارات وشراكات ونفوذ اقتصادي، وهناك من يجعل جزءا من حضوره السياسي قائما على الخصومات والردود والقطيعة. أما الجزائريون المقيمون في الإمارات، فهنا تكمن المسألة الأكثر حساسية. فالتقديرات المتداولة لعددهم تتراوح بين عشرات الآلاف، مع وجود تقديرات ترفع الرقم إلى مستويات أكبر. ومهما اختلفت الأرقام، فإن المؤكد أن هناك جالية جزائرية مهمة تعمل وتستثمر وتعيش في الإمارات، ولم تكن طرفا في الخلاف السياسي. وهؤلاء هم الذين قد يجدون أنفسهم أمام تداعيات قرار لم يصنعوه، خصوصا إذا تحولت القطيعة الدبلوماسية إلى أزمة ممتدة تؤثر على السفر أو المصالح الاقتصادية أو الاستثمار أو العلاقات بين البلدين. ثم هناك سؤال آخر لا يمكن تجاهله. هل يتعلق الأمر بخلاف إماراتي جزائري مباشر فقط، أم أن حسابات المنطقة، ومنها طبيعة العلاقات المتنامية بين الإمارات والمغرب، أصبحت حاضرة في خلفية الموقف الجزائري؟ لا يمكن الجزم بأن التقارب الإماراتي المغربي هو سبب القرار من دون معطيات رسمية تثبت ذلك، لكن من الصعب أيضا تجاهل أن الجزائر تنظر بحساسية شديدة إلى كل علاقة استراتيجية ينسجها المغرب مع دولة مؤثرة في المنطقة والعالم. وإذا أصبحت كل دولة تقترب من المغرب مرشحة للدخول في دائرة الخلاف الجزائري، فإن المشكلة لا تعود في الدول الأخرى، وإنما في طريقة إدارة الجزائر لخلافها مع المغرب. الدبلوماسية ليست أن تجمع حولك أكبر عدد من الخصوم، وإنما أن تمنع خصومك من التحول إلى عزلة. والغريب أن الجزائر تستطيع أن تحافظ على علاقاتها مع فرنسا رغم ثقل الذاكرة الاستعمارية وما تحمله من ملفات تاريخية مؤلمة، لكنها تختار القطيعة مع الإمارات بسبب خلاف سياسي حديث. وهذا يفتح بدوره سؤالا حول ترتيب الأولويات: هل تقاس العلاقات الخارجية بحجم الخطاب السياسي أم بحجم المصالح التي تحققها للدولة؟ الجزائر ليست دولة بلا إمكانيات. لديها النفط والغاز، ولديها موقع استراتيجي وموارد بشرية وثروات كبيرة. ولذلك فإن الأولوية، في تقديري، يجب أن تكون لتحويل هذه الإمكانيات إلى تنمية وفرص عمل وتحسين ظروف المواطنين، لا إلى فتح جبهات دبلوماسية جديدة. قد تعتبر السلطة الجزائرية قرارها رسالة قوة، لكن قوة الدولة لا تقاس بعدد العلاقات التي تقطعها، وإنما بقدرتها على حماية مصالحها، وجذب الاستثمارات، وتوسيع شراكاتها، والحفاظ على أكبر قدر ممكن من الخيارات أمامها. أما الإمارات، فحتى لو خسرت سياسيا علاقة مع الجزائر، فإنها تملك شبكة واسعة من العلاقات والاستثمارات التي تجعلها أقل تأثرا بالقطيعة. ولهذا فإن السؤال الذي سيبقى مطروحا ليس من أصدر البيان الأقوى، وإنما من سيدفع كلفة هذا القرار إذا طال أمده؟ فالقرارات الدبلوماسية قد تصنع ضجيجا كبيرا في يوم إعلانها، لكن نتائجها الحقيقية تظهر بعد أن يهدأ الضجيج.