الحريق الذي اندلع بواحة إنرارن بضواحي أكادير تم اخماده والسيطرة عليه، والحمد لله لم تسجل خسائر بشرية. وهنا لا بد من التنويه بالسلطات المحلية وفرق الوقاية المدنية التي تعاملت مع الحادث بالسرعة واليقظة اللازمتين، كما فعلت في عدد من الحرائق التي عرفتها البلاد خلال هذا الصيف، حيث جرى التدخل لمحاصرة النيران قبل أن تتحول إلى كارثة. لكن ما يستحق التوقف عنده هذه المرة ليس الحريق، بل الطريقة التي تناولت بها قناة الجزيرة الخبر. فمنذ اندلاع النيران، سارعت القناة إلى تقديم المشهد بصورة توحي بخطر كبير يقترب من المنازل، وكأن المغرب أمام كارثة مفتوحة. وبعد ساعات، انتهى الأمر بالسيطرة على الحريق واخماده دون خسائر بشرية. هنا يطرح السؤال نفسه: لماذا هذه السرعة في التقاط كل خبر يمكن أن يقدم صورة سلبية عن المغرب، بينما لا نجد السرعة نفسها في متابعة الخبر عندما تنتهي القصة بشكل إيجابي؟ فالصحافة المهنية لا تقتصر على نقل لحظة اشتعال النار، بل تتابع القصة إلى نهايتها. وإذا كانت النتيجة هي السيطرة على الحريق وإنقاذ المنازل والسكان، فهذا أيضا خبر يستحق أن يصل إلى المشاهد. والمفارقة أن المنطقة المغاربية عرفت خلال السنوات الأخيرة حرائق وفيضانات وكوارث طبيعية في أكثر من بلد، ومنها الجزائر التي شهدت حرائق واسعة وخسائر مؤلمة، ومع ذلك لا تحظى بعض تلك الأحداث بالتغطية نفسها التي تحظى بها واقعة محدودة في المغرب. وهنا يصبح من حقنا أن نسأل عن المعايير التحريرية التي تعتمدها الجزيرة في اختيار حجم الخبر وطريقة تقديمه. ولا يمكن أيضا تجاهل حقيقة معروفة داخل الوسط الإعلامي، وهي الحضور الواسع للصحفيين الجزائريين داخل قناة الجزيرة. ذكر هذه الحقيقة لا يعني اتهام كل صحفي جزائري بالانحياز، فالمهنية لا تقاس بالجنسية، لكن من الطبيعي أن تطرح هذه التركيبة أسئلة حول التوازن التحريري عندما نلاحظ تفاوتا واضحا في طريقة التعامل مع الأخبار المغربية والجزائرية. والأمر لا يتعلق بحريق إنرارن وحده. سبق للمغاربة أن تابعوا طريقة تعامل الجزيرة مع زلزال الحوز، وقبل ذلك مع عدد من الملفات المرتبطة بالمغرب، وصولا إلى قضية سبتة ومليلية، حيث بدا أحيانا أن القناة تعيش التفاصيل معنا لحظة بلحظة، وتلتقط كل صغيرة وكبيرة عندما يكون الخبر قابلا لتقديم المغرب في صورة سلبية. المغرب لا يطلب من الجزيرة أن تجامله، ولا يريد إعلاما يدفن أخباره السيئة. المطلوب فقط هو معيار واحد: الخبر كما هو، لا أكبر منه ولا أصغر. أما أن تتحول شرارة إلى عنوان كبير، ثم تختفي القصة عندما تنطفئ النار، فذلك ليس مجرد اختلاف في اختيار الأخبار، بل سلوك تحريري يستحق النقاش. وعلاقة المغرب بقطر علاقة جيدة ، وهذا أمر نرحب به، لكن العلاقات بين الدول لا تعني أن تتوقف الأسئلة حول أداء المؤسسات الإعلامية. لذلك، ربما حان الوقت لكي يراجع المغرب علاقته بحضور قناة الجزيرة داخل البلاد، وأن يفتح نقاشا واضحا حول طبيعة عملها، ومدى احترامها للتوازن والموضوعية في تغطية الشأن المغربي. نحن لا نريد إسكات الجزيرة، بل نريد منها أن تمارس الصحافة كما تقول إنها تمارسها. فإذا اشتعلت النار، انقلوها. وإذا اخمدت، انقلوا أيضا أنها اخمدت. أما أن تبقى النار مشتعلة في العنوان بعدما انطفأت في الميدان، فهنا من حقنا أن نسأل: لماذا؟ والحمد لله على سلامة الجميع، والتحية لرجال ونساء الوقاية المدنية والسلطات على تدخلهم السريع، وبردا وسلاما على كل بلد ابتلي بحريق أو زلزال أو فيضان.