يوميات ستيني في ليل المدينة.

ادارة النشر10 يونيو 2025آخر تحديث :
يوميات ستيني في ليل المدينة.

إدريس طيطي
الجولان الثاني

هذا أنا…!! تجدني دائمًا متأملاً، وأنا أجوب شوارع مدينتي، كمن يفتش عن شيء لا يرى… عن إحساس ضاع، عن حكاية تسكن المارة، عن جواب يختبئ خلف الوجوه الصامتة.

لا أمشي عبثًا، بل كل خطوة لي تحمل سؤالًا، وكل زاوية تخبئ احتمالًا لقصة. المدينة بالنسبة لي ليست بنايات وأسطلت… بل أرواح تمشي بجانبي، وبعضها يصرخ دون صوت.

ذلك اليوم لم يكن مختلفًا عن غيره، حتى ظهرت فجأة… امرأة تجر قدميها بصعوبة، كأنها تجر تاريخًا من الانكسارات. جسدها الهزيل يوشي بالجوع والمرض، ووجهها شاحب كأن الحياة قررت أن تنسحب منه بهدوء.

وقفت أمامي ومدت يدها، بعينين ذابلتين، ونبرة هادئة، لكنَّها مؤلمة:

“ساعدني يا ابني، فأنا لا صحة ولا أولاد.”

كانت كلماتها بسيطة… لكنَّها ضجة في داخلي. كأنها اختزلت المعاناة كلها في جملتين. لم تقل “ليس لي مال… أواكل… أو ملابس”… قالت: لا صحة… ولا أولاد.

تلك لحظة لم أجد فيها نفسي. وقفت متسمرا، أحاول أن أفكك ما قالت. ما نوع الألم الذي يجعل إنسانًا يطلب الشفقة لأنه لا يملك صحة، ولا سندًا بشريًا؟! كم من وجع يجب أن يمر عليه الإنسان، كي يصل إلى هذه الجملة؟

كنت أريد أن أساعدها، لكن في لحظتها لم يكن بيدي، اكتفيت لها بالدعاء، وقلبي ممتلئًا بالعجز. وأنا أبتعد، شعرت أنني لا أتركها، بل أترك جزءًا من إنسانيتي معها.

راودني سؤال لم يتركني: هل هجرها أولادها؟ أم لم يكتب لها أن تنجب؟ هل كانت صادقة؟ أم محترفة في لمس عواطف الناس؟ لكن شيئًا بداخلي يهمس لي: لا أحد يمثل كل هذا الحزن… بهذا الإتقان، إلا إذا كان حقيقيًا.

أكملت طريقي، لكن كلماتها ظلت تنزف داخلي. كلما حاولت نسيانها، عاد صوتها كأنه صدى من حياة أخرى: “لا صحيحة… لا أولاد.”

ما الذي يجعل الإنسان يستجدي الحياة بهذه الطريقة؟
هل هو الفقر؟ أم الوحدة؟ أم خيانة الأبناء؟ أم المرض حين يصبح أثقل من الجسد؟
لا أدري…

لكن ما أعرفه أن المدن تخفي الكثير من الروايات، تمامًا كما يخفي الناس جراحهم خلف ابتسامات صامتة.

وهكذا، عدت إلى سيري، أحمل قلبي مثقلاً بجملة امرأة مجهولة، قد تكون مرّت في حياة الكثيرين دون أثر… لكنها تركت في طريقي، أثرًا لا يُمحى.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة