سبق لي في مقالات عديدة أن تناولت ما أسميته بالأوساخ البشرية التي غزت الفيسبوك وعمرت هذا الفضاء الأزرق دون حسيب. نعم فمواقع التواصل، رغم كونها فضاء مشتركا، أصبحت مسرحا لاعتداءات أخلاقية يومية: صور تزيل الحياء بشكل كامل، وفيديوهات ساقطة، وكلام ماجن يخدش السمع والبصر، يتسلل إلى بيوتنا دون استئذان، ويزرع الإحراج بين أفراد الأسر، ويهدد قيم مجتمع بأكمله.
وليس هذا الضرر محصورا داخل حدودنا فحسب، بل يتحول أحيانا إلى مادة جاهزة للتهكم والتنقيص من طرف بعض الشعوب، وعلى رأسها شعب الجارة الشرقية. فكلما ظهر نموذج منحط من داخل بلادنا، سارع هؤلاء إلى التعميم والتهكم، وكأنهم يعتبرون هذه النماذج تمثل الشعب المغربي كله. وهذه إساءة مزدوجة: إساءة يسببها أصحاب هذه السلوكيات، وإساءة تستغلها جهات معادية لتسيء لبلد أحببناه ونفتخر بقيمه.
إن الجارة الشرقية، التي لا تخفي عداءها لنا، تتخذ من هذه الحالات الفردية ذريعة لتشويه صورة المغرب. وكأنها تسقط علينا نماذجها وأخلاقها التي ألفتها، وتدفعنا دفعا إلى مقارعة خطاب منحط لا يمت لتاريخنا ولا لثقافتنا بصلة. وهكذا تتحول بعض الأوساخ البشرية التي تعيش معنا مع الأسف في هذا الوطن الحبيب إلى مادة جاهزة يتم استغلالها من أجل ضرب صورة شعب كامل.
وفي هذا السياق تحديدا، ظهر فيديو يجمع ثلاثة من هذه النماذج. فيديو هجم علي وأنا أتصفّح هاتفي، وفرض حضوره بقبحه. ثرثرة فاحشة، كلام ماجن، انحلال مكتمل الأركان. محتوى يجعل أي مغربي يتساءل: كيف يسمحون لأنفسهم؟ ألا يخجلون من أسرهم؟ ألا يملكون آباء وأمهات وإخوة يخافون عليهم؟ ألا يدركون أن مثل هذه التصرفات لا تسيء إليهم فقط، بل تسيء إلينا جميعًا؟
وما يثير الاستغراب هو أن هؤلاء الثلاثة لا يزالون طلقاء، رغم خطورة ما بثوه. وهنا نحمل الدولة مسؤوليتها كاملة: فإن لم يصل الفيديو بعد إلى الجهات المختصة، فالعذر قائم. أما إن بلغها الأمر ولم تتخذ إجراءات ضرورية، فهذه مصيبة كبرى وحيف في حق الوطن و المواطنين. لأن هؤلاء لم يرتكبوا إساءة عابرة، بل طعنوا في أخلاق الأسر، وفي راحة الناس، وفي سمعة المغرب الذي نعرفه بلدا للأصالة والقيم والتربية.
إن تسليطي الضوء على هذه الوجوه لا رغبة في التشهير، بل ضرورة. لأن ترك هذه الأفعال تمر مرور الكرام يمنح الفرصة لكل من يتربص بنا، ولكل من يختزل شعبا كاملا في تصرفات أفراد لا يمتون لجوهر المجتمع بصلة. نحن بحاجة إلى حماية فضائنا الرقمي، وإلى مواجهة هذا الانفلات الأخلاقي، ليس فقط دفاعا عن الأسر، بل دفاعا عن وطن يتعرض للتشويه في كل فرصة سانحة.
هذه ليست حرية تعبير، بل جريمة أخلاقية يجب التعامل معها بالصرامة اللازمة، حتى لا يترك المجال لتكرارها، أو لاستغلالها من طرف من يتربصون بنا، في الداخل أو الخارج