ستيني في ليل المدينة

ادارة النشر25 يونيو 2025آخر تحديث :
ستيني في ليل المدينة

إدريس طيطي –
الخيال الثامن

صيد الليلة: القمار… أن تبيع كل شيء في انتظار لا شيء..

هذا أنا.. أدمنت السير في ليل المدينة… لا أطلب شيئا سوى أن يقتنصني الحكي
أن أعود بحكاية تداوي فضولي، وتضيف لتجاعيدي سطرا جديدا من قصص الناس
فأنا الستيني، الباحث عن الأرواح التي لم تعد تملك صوتا…
أقتحم المجهول، لا أخشى سوى أن أعود خالي الوفاض
ولكن، حتى عندما لا أصطاد الحكاية…
أجدني أنا، الصيد

اعتدت أن أخرج كل ليلة، يحملني فضولي كما يحمل الصياد بندقيته
أتقصى الحكايات، وأترصد العيون التي تتكلم قبل الألسنة…
مرات تجدني في السبار، ومرات في الزوايا المظلمة من المقاهي المغبونة
ولكن، تلك الليلة كانت مختلفة

استفزني مقهى مخيف… لا يفوح منه شيء سوى ثقل الهزيمة
واجهته باهتة، إنارته أبته، لا إعلان يزينه، لا دفء في نوافذه
دخلته كمن يغامر في أرض غريبة

مقهى عابس
لا تشبهه حتى المقابر… على الأقل، الموتى هناك لا يصرخون
أما هنا، فالجميع يتحدث في آن واحد، لا أحد ينصت
كأنهم خائفون من الصمت، لأن الصمت يفضح ما يهربون منه

الإشارة نوع من الكلام… وهي أرقام
كلاب وخيول تتسابق، وكلّ عليها رقم، والكل ينادي: من دخل أولا؟
هذا هو الكلام الذي يروج: أسماء الخيول والكلاب، ونقاش حول مكانها وأصحابها
وفي غفلة همس لي:
“هل تعلم أننا نراهم على هيئة الكلاب والخيول… ونحن البشر؟”

جلست أراقب، والحذر في عيني،
أتفرس الوجوه كمن يبحث عن مفتاح لحكاية
في الزاوية، رجل يشبه الخسران وهو جالس،
لا يتكلم، لا يتشكى، ولكنه يفضي بكل شيء من غير كلمة

دفعت عنه ثمن ما شرب، وببعض الحيل اللغوية
بدأت أقرّب المسافة، وأستدرجه،
ككل من يريد أن يفهم وراء الصمت

وبالقليل الذي لم يقله، عرفت كثيرا
عرفت أنه باع منزله، وأن زوجته غادرته، وتركت له علاقات ممزوقة
عرفت أنه فرّط في ثمن علاج ابنه، وكاد أن يخسره لولا محسن مرّ من هناك
وعرفت أنه أضاع حتى فاتورة الماء والكهرباء، وأنه يعيش على أطلال نفسه
كل ذلك علمته من صمته، من انكسار عينيه، ومن رجفة يده حين أخذ كأسه الأخيرة

خرجت تلك الليلة متخبطا…
كل “الٱناوات ” اجتمعت لتحاكمني
كل واحدة منها تصرخ:
“أرأيت ماذا يفعل الإنسان بنفسه؟
أرأيت كيف يتحول الأمل إلى مقصلة؟”
كنت أبحث عن حكاية… فإذا بالحكاية تقتنصني
كنت أصطاد الألم… فإذا بالألم يصطادني
وفي نهاية المطاف…
أيقنت أن القمار ليس لعبة
بل إبادة بطيئة، يرتكبها المرء بحق نفسه، وبحق أعز الناس إليه
ولا يعترف بها إلا عندما يفقد الجميع، ويقف وحيدا… أمام المرآة
#ستيني_في_ليل_المدينة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة