ادريس طيطي
الواقع الثاني والثلاثون
هذا انا… ستيني في ليل المدينة، أحاول التخفف من هذا الذي يسكنني، أحاول أن أخلع الستيني من ظهري، لكنني في كل مرة أكتشف أنني لا زلت هو. في كل مرة أقرر أن أرتاح، أجدني أركض من جديد خلف الحكايات، كأنني تسكعت طويلا في المدينة، كأنني تعثرت بما يكفي كي أعرف كيف يسير الناس، وأين تخبئ الوجوه وجعها.
جلست أكثر من مرة محاولا التخلص منه، من الستيني الذي يجعلني أفتش عن الوجع، عن الصدق، عن من يضعون أثرهم بصمت في قلبي. لكن كلما هممت بالتحرر، جرني من يدي، وقال لي: انظر… هناك قصة جديدة تستحق أن تروى.
مررت بحكايات كثيرة. وجوه كثيرة قالت لي شيئا، وتركت فيّ شيئا. كتبت عن الصبر، عن الخيانة، عن الألم، عن النفاق، عن السكر، عن العجز، عن رجال تخلوا، وعن نساء قهرهن الزمن. لكنني أيضا، مررت على نماذج خدعتني. رأيت بعيني رجالا يتظاهرون أن أرجلهم مبتورة فقط ليستعطفوا الناس. رأيت أشخاصا أقوياء يتكئون على عكاكيز لا يحتاجونها. رأيت من جلس على كرسي متحرك وهو في كامل عافيته. رأيت من يتسول مستعرضا أوراق الطبيب، ومن يطلب المساعدة ويصر على أن تعطيه نقودا لا دواء.
كنت أقول في نفسي: لا أحد صادق بعد الآن. ربما خاب ظني… لكن الحقيقة أنني صادفت أناسًا صادقين فعلا، قليلين… لكنهم موجودون.
واليوم، حكاية امرأة واحدة جعلتني أراجع كل شيء. امرأة أعادت لي توازني. أعادت لي الثقة بأن هناك من لا يبيعون الكرامة، ولا يجعلون من الوجع وسيلة للتسول. امرأة تجر الحياة في صمت، ومعها ابنتها البكر، تدفعان كرسيين متحركين لطفلين لا يتحركان. إعاقة ذهنية وجسدية، توحد وشلل كلي، لا حركة، لا تفاعل.
كانت تأتي إلى مركز بسيط كنا ندرس فيه أطفالا في وضعية إعاقة. لم تكن تسأل عن تسجيل، ولا تطلب دعما، ولا تلعب دور الضحية. فقط قالت لي مرة: أتركهما هنا ساعة أو ساعتين، أعود إلى البيت أرتب الغرفة، أجهز طعاما لإخوتهما، أتنفس قليلا، ثم أعود.
هل تعلم ما معنى أن تملك طفلين لا يتحركان، لا يبرحان كرسييهما، أن تجرهما وحدك كل صباح، أن تغسلهما، وتطعمهما، وتسهر عليهما، ثم تنهض كل يوم لتبدأ من جديد؟ هذه المرأة لا تشتكي. لا تعرض مأساتها. لا تبتز أحدا. لا تطلب شيئا. هي تعرف ما معنى العطاء، وما معنى الكبرياء.
رغم أنها تسكن في حي شعبي، ورغم أن ظروفها لا تخفى، لم تعرف يوما كطالبة دعم، ولا من الساعيات وراء الجمعيات، ولا من اللواتي يستعرضن أطفالهن من أجل المساعدة. كانت تمر بهدوء، وفي وجهها نور لا يشبه أي شيء.
قابلت نساء كثيرات. بعضهن ظروفهن مرتاحة، ومع ذلك لا يترددن في إظهار معاناة أبنائهن في كل مناسبة، يبحثن عن المساعدة ولو بالكذب. لكن هذه المرأة، جعلتني أتوقف. كأنها قالت لي بصمت: قف، فليس الجميع كما رأيت.
ربما كانت أكثر من امرأة. كانت درسا. كانت تربية كاملة في مشهد واحد. كانت تقول إن من يصبر لا يصرخ، وإن الكرامة لا تحتاج كلاما. كانت تقول إن هناك من يعيش في قعر الوجع… لكنه لا يطلب إلا من الله.
هي وابنتها كانتا تجران الكرسيين، لكن الحقيقة أنهما كانتا تجران حياتهما كلها. تدفعان ثقلا لا يرى، ولا يحكى، ولا يشرح. تدفعانه دون أن تشتكيا، وتذهبان في الطريق ذاته كل صباح.
ربما لم تدرس في جامعة، لكنها علّمتني دروسا لا تنسى. علمتني أن من يسكن الألم لا يتسول به، وأن الصمت أحيانا أبلغ من كل الشعارات. علمتني أن المرأة حين تصبر، تصير وطنا، وأن الابنة حين تكبر على الجَلد، تكون خير خلف لخير سيدة.
ورغم أنني كنت أقاوم الستيني الذي يسكنني، إلا أنني اليوم أقرّ: هو أنا، وأنا هو. وصدق هذه المرأة أعاد لي معنى هذا التسكع، هذا البحث، هذا القلق النبيل. أعاد لي يقيني بأن الحكايات الصادقة لا تنتهي.
دوام الحال من المحال… لكن الصدق مثلها، لا يزول.











