إدريس طيطي – مجرد رأي – دعونا نقف اليوم عند مشهد لا تسجله الاحصائيات، ولا يظهر في ورقة المباراة، ولا يتحدث عنه المحللون كثيرا في الاستوديوهات. دعونا نقف عند بطل اخر خطف الاضواء داخل المدرجات وخارجها، بطل لم يسجل هدفا ولم يصنع تمريرة حاسمة، لكنه صنع ما هو اجمل من ذلك بكثير. ولست اكتب هذا الكلام بحكم انني مغربي، بل لان كما رأته عين العالم قبل ان تراه عين المغربي. الجميع شاهد تلك الامواج الحمراء والخضراء التي زينت المدرجات والشوارع الامريكية. لكن دعونا نتجاوز الجانب الجمالي الذي يسر الناظرين، وننتقل الى جمال الروح، وهو الاجمل والابقى. في عالم كرة القدم اعتدنا ان نرى جماهير متقابلة تنتهي علاقاتها بالصدامات والسب والعنف والتعصب. لكن مع الجمهور المغربي حدث شيء مختلف. حدث شيء لا يمكن الا أن يثير الاعجاب. راينا الجمهور المغربي وهو يلاطف جماهير منتخبات يفترض في منطق التعصب الكروي انها منافسة له. رأينا أناشيد مشتركة، وضحكات مشتركة، وصورا تذكارية، وتبادلا للقمصان، وتعانقا بين ثقافات مختلفة. رأينا البرازيلي يردد “ديما مغرب” بعفوية، ويحاول تقليد اللهجة المغربية بشغف، لا لشيء سوى أنه وجد أمامه شعبا قادما من بلد الحضارةوالتسامح . انتهت المباراة، لكن العلاقة لم تنته. عاد البرازيليون وهم يحملون صورة جميلة عن المغاربة، وعن شعب يعرف كيف ينافس داخل الملعب ويحب خارجه. ثم تكرر المشهد مع الاسكتلنديين. وجدناهم وسط الجماهير المغربية يهتفون “ديما مغرب”، ويرفعون الأوشحة، ويتبادلون القمصان الزرقاء والحمراء. المزامير الاسكتلندية امتزجت بالغيطة المغربية في لوحة ثقافية نادرة، وكان كرة القدم تحولت فجأة الى مهرجان للتعارف بين الشعوب. حتى بعد صافرة النهاية استمرت الاجواء الجميلة، وشاهدنا جماهير المنتخبين تحتفل معا وتشجع معا وتلتقط الصور معا. ومع هايتي لم يكن المشهد مختلفا. سمعنا كلمات التقدير والاحترام، وشاهدنا جماهير تعيش أجواء من السعادة مع المغاربة رغم الهزيمة. حتى داخل أرضية الملعب ظهرت الابتسامات بين اللاعبين، وكان الرسالة واضحة: يمكن ان نختلف في النتيجة، لكننا لا نختلف في الانسانية. ولعل من أجمل المشاهد التي استوقفتني تلك التي انتشرت في شوارع أمريكا، حين صادف المغاربة عرسا أمريكيا. لم يمروا مرور الكرام، بل اندمجوا مع المحتفلين، ورقصوا معهم، وشاركوا العروسين وضيوفهما فرحة العمر. لم يكن هناك حاجز لغة ولا اختلاف ثقافة، بل كانت هناك روح مغربية صنعت السعادة للجميع. تركوا وراءهم ابتسامات وصورا وذكريات لن ينساها اصحاب العرس ولا المدعوون. هكذا أصبح المغربي في أمريكا محط اعجاب من يلتقيه، وموضع فضول إيجابي لدى من يريد التعرف على ثقافته وعاداته. وهكذا تحول الجمهور المغربي الى أفضل سفير لبلاده، سفير لا يحمل حقيبة دبلوماسية ولا صفة رسمية، بل يحمل اخلاقه وابتسامته وحبه للناس. كرة القدم في النهاية ليست فقط اهدافا وكؤوسا وانتصارات. كرة القدم أيضا لقاء ثقافات وشعوب وحضارات. وحين ينجح جمهور في جعل الاخرين يحبونه أكثر مما يخشونه، ويحترمونه أكثر مما ينافسونه، فانه يكون قد حقق انتصارا لا يظهر في جدول النتائج. اليوم يعيش المغاربة فرحة مستحقة، ليس فقط بسبب نتائج المنتخب، بل بسبب الصورة الحضارية التي يقدمها جمهورهم للعالم. ونتمنى أن يواصل المنتخب المغربي بذل كل ما لديه داخل الملعب، حتى يستمر هذا العرس الجماهيري المغربي في شوارع امريكا، وتستمر معه تلك الرسالة الجميلة التي تقول للعالم: هنا شعب يعشق كرة القدم، لكنه يعشق الانسان قبل ذلك. #ديما_مغرب #الجمهور_المغربي #مونديال_2026 #اسود_الاطل #كرة_القدم_تجمعنا #المغرب_سفير_الحضارات