بطبعي، لا تأخذني الحروب إلى الحماس، بل إلى القلق. لا تشغلني خرائط التقدم والتراجع بقدر ما يشغلني عدد البيوت التي ستهدم، وعدد الأطفال الذين سيكبرون وهم يحملون في ذاكرتهم صوت الانفجارات بدل صوت المدارس. الحرب، في جوهرها، لا ترضع أحدا؛ هي آلة تلتهم الجميع، حتى أولئك الذين يظنون أنهم يديرونها من بعيد. اليوم، مع انفجار المواجهة الجديدة بين إيران وإسرائيل، لا أجد نفسي معنيا بالاصطفاف خلف هذا الطرف أو ذاك. ليس لأنني أبحث عن منطقة رمادية، بل لأنني لا أرى في هذا الصراع معركة قيم خالصة، بل صراعا بين مشروعين لكل منهما حساباته وتاريخه وأدواته. إسرائيل، في وعيي، تظل دولة احتلال. ما ارتبط بها من استيطان وعدوان وسياسات قمع في فلسطين، وخاصة في غزة، يجعلها عنوانا دائما للاختلال الأخلاقي في المنطقة. هذه مسألة لا أساوم عليها، ولا أحتاج إلى إعادة تبريرها في كل مرة. لكن في المقابل، لا أستطيع أن أتعامل مع إيران بوصفها مجرد طرف يتلقى الضربات. سجل تدخلها في العالم العربي حاضر بقوة: في العراق، في لبنان، في سوريا، عبر دعم جماعات مسلحة وتمويل ميليشيات، وتغذية انقسامات مذهبية أرهقت مجتمعات بأكملها. كما أن اتهامات دعمها لحركات انفصالية في دول أخرى، ومنها دعم جبهة البوليساريو بالسلاح والمال، تثير تساؤلات مشروعة حول حدود مشروعها الإقليمي وأثره على استقرار الدول. لهذا، فإن موقفي لا ينطلق من تبرئة طرف وإدانة آخر بشكل انتقائي، بل من سؤال بسيط: من سيدفع الثمن؟ والجواب، في الغالب، هم العرب. ما يقلقني اليوم ليس تبادل الضربات بين طهران وتل أبيب، بل احتمال أن تتحول أراضي السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين والأردن وسوريا والعراق ولبنان إلى ساحات تصفية حسابات، أو أن تدفع هذه الدول دفعا إلى مواقف عسكرية أو سياسية لا تخدم أولوياتها الداخلية. أن تصبح الأجواء والمياه والموانئ العربية جزءا من معادلة الردع المتبادل، هو الخطر الحقيقي. لو كانت الحرب محصورة تماما بين الطرفين، بعيدة عن المجال العربي، لربما اكتفيت بالمراقبة السياسية الباردة. لكن حين يتمدد ظلها فوق العواصم العربية، وحين يصبح الاستقرار العربي رهينة صراع إقليمي مفتوح، فإن الحياد بين الطرفين لا يعني الحياد تجاه مصير أوطاننا. ثم هناك نقطة شائكة: دور الولايات المتحدة. أنا لا أتغنى بأمريكا، ولا أراها قوة خير مطلق. لكن في ميزان القوى، لعبت في مراحل معينة دور كابح لطموحات إقليمية متصاعدة، ومنها المشروع الإيراني. ليس حبا في العرب، بل دفاعا عن مصالحها. ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعا: لو لم يوجد هذا الكابح، كيف كان سيكون شكل التوازن في المنطقة؟ إلى أي مدى كان يمكن أن يمتد النفوذ دون رادع؟ أحيانا، في السياسة، يوجد ما يمكن وصفه بـ”شر لا بد منه”. ليس لأنه خير، بل لأنه يمنع شرا أكبر. رب ذرة نافعة، حتى وإن لم تكن نقية. في المحصلة، أنا لا أعلن تضامنا مع طهران ولا مع تل أبيب. تضامني مع استقرار الدول العربية، مع حق شعوبها في ألا تكون وقودا لحروب الآخرين، ولا جسورا لعبور الصواريخ، ولا أوراقا في لعبة أمم. بين إيران وإسرائيل، قد أرفض الاثنين. لكن بين الحرب وسلامة أوطاننا العربية، أختار بوضوح أن أقف مع العرب، ومع حقهم في أن يبقوا خارج نار لم يشعلوها، ولا ينبغي أن يحترقوا بها.