إدريس طيطي (الحصاد24)
في خطاب سامٍ بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش المجيد، جدّد جلالة الملك محمد السادس دعوته الصادقة إلى طيّ صفحة الخلاف وفتح باب التقارب بين المغرب والجزائر، مستعملًا عبارات أخوية تؤكد على عمق الرغبة المغربية في بناء مستقبل مشترك، بعيدًا عن التوترات المفتعلة والمزايدات السياسية.
الملك لم يكتفِ بتجديد نبرة الانفتاح، بل خاطب الجزائر بصفتها دولة شقيقة، ووصف العلاقة المفترضة بين البلدين بـ”الأخوة”، في استخدام ذكي لمفردة عميقة تتجاوز خلافات السياسة وتُذكّر بروابط التاريخ والمصير والجغرافيا. غير أن هذا الخطاب المتزن والواضح ووجه – مرة أخرى – بصمت رسمي من طرف الحكومة الجزائرية، تزامن مع خُرجات إعلامية متهوّرة، اتخذت طابعًا عدائيًا، وحرّفت مضمون الرسالة الملكية إلى أبعاد لا تمتّ للواقع بصلة.
لكن من المهم التأكيد، كما ورد ضمنيًا في الخطاب الملكي، أن المغرب لا يمدّ يده طمعًا في اعتراف الجزائر بمغربية الصحراء، فالموقف الدولي محسوم، والمعركة الدبلوماسية ربحتها المملكة بامتياز.
اليوم، لم يعد الأمر محلّ نقاش لدى القوى العظمى:
الولايات المتحدة، فرنسا، إنجلترا، البرتغال، وعدد كبير من الدول الأوروبية والعالمية، باتت تعترف رسميًا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وتدعم مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية.
أما في العالم العربي، فالدول الشقيقة الكبرى، وفي مقدّمتها السعودية والإمارات وقطر والبحرين، تقف إلى جانب المغرب دون لبس، ولا داعي للانشغال ببعض الدويلات التي تفتقر للتأثير الحقيقي في المشهد الإقليمي أو الدولي.
الرسالة الملكية لم تكن رجاءً، بل كانت عرضًا صادقًا للتعاون، وامتدادًا لرؤية استراتيجية تعتبر أن قوة المنطقة المغاربية تبدأ من مصالحة الجوار.
لكن، عوض تلقّف هذه اليد الممدودة، اختارت أبواق إعلامية جزائرية – وللأسف – لغة التهجم والتشكيك، وذهبت إلى حد اعتبار المبادرة المغربية خضوعًا لإملاءات خارجية، وهو تحليل سطحي لا يصمد أمام الحقائق الدبلوماسية.
اليوم، المغرب يمضي بثقة نحو شراكاته الاستراتيجية، ويُعزّز موقعه داخل الاتحاد الإفريقي، ويقود مبادرات دولية لمكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.
أما الجزائر، فيُنتظر منها أن تُنصت لنداء الحكمة، وتكبح جماح أبواقها الإعلامية التي تزرع البلبلة ولا تخدم مصلحة الشعب الجزائري، الذي هو أولى بالأموال المهدورة في دعم أطروحات انفصالية لم تعد تجد من يُصغي لها على الساحة الدولية.










