إدريس طيطي
الخيال الخامس
في كل سير لي بين أزقة المدينة، لا يختلف المشهد كثيرًا. أنتهي دائمًا عند طاولة خشبية في مقهى منسيّ، كأن المدينة نفسها نسيت أنها تملكه. أرتشف قهوتي المرة، لا لأعدل المزاج، بل لأصطاد الحكايات.
قد يعتقد البعض أنني سهل الانخداع، أو أن كلمة مبكية قد تستدرجني، فيظنون أن بضع دموع كافية لانتزاع بعض القطع النقدية من جيبي. لكن الحقيقة أنني لست من أولئك الذين يُستمالون بسرعة…
أنا لست ذاك السهل.
لكنني… ذاك الهش،
أحمل بين ضلوعي قلبًا يرفّ حين يكلمني أحدهم بصدق.
حين تلامسني الحكاية الحقيقية، يتغير كل شيء… تغزرّق عيناي فجأة، وتجدني منغمسًا في الحكاية، صاغيًا بكل جوارحي.
حين يتحدث إليّ قلبٌ صادق، فإن قلبي لا يخطئه أبدًا.
الليلة، لم يكن المكان مزدحمًا. جلست على طاولة تشاركني فيها قنينة ماء مع رجل خمسيني، وجهه يحمل تجاعيد حكاية طويلة، وعيونه تقول أكثر مما ينطق لسانه.
ولأنني لا أؤمن بالصمت العابر، ولا أترك الحكايات تفلت من بين أصابعي، بادرته الحديث بحذر الذكي، لا الفاضح… طرحت أسئلة عادية بلهجة عابرة، حتى شعرت أن ملامحه بدأت تلين… وعندها فقط، فتح لي قلبه.
حكى لي عن زوجته، عن السرطان الذي زحف إلى جسدها، وعن الأمل الذي ظل يقاتل به كل الأطباء، وكل التقارير. باع بيته الوحيد ليغطي مصاريف العلاج، رافعًا كفيه إلى السماء: “يا رب، أنت الضامن.”
قلت له: “وهل عاد لك البيت؟” فأومأ برأسه بنعم، وارتعشت شفتاه: “الرجل الذي اشتراه… أعاده لي، دون شرط. فقط قال لي: من يتوكل على الله، لا يُخذل.”
وهنا، قفزت في ذاكرتي تلك الحلقة من برنامج “قلبي اطمأن”، وتلك السيدة الأردنية: بهجة. امرأة تعيش على قوت يومها، تشتغل في البيوت، وتبيع المشاتل. مطلّقة، أم لأربعة، تسكن بيتًا لم تكمل ثمنه، وتدفع أقساطه بشقّ الأنفاس.
جاءها شابٌ اسمه غيث. أخبرها أن المحامي بعثه لتحصيل ما تبقّى، وأنها قد تُطرد من البيت، وأن توقيعها مطلوب على وثيقة.
قال لها بلغة جافة: “صاحب البيت ما بقى يقدر يصبر… لازم تدفعي، وإلا المحامي يتصرف.”
فقالت له، بوجه المؤمن الراضي:
> “قل له يصبر عليّ ثلاثة أشهر فقط… أنا أشتغل، وأعيل أولادي، والله لن يضيعني.”
كان غيث يصنع اختبارًا صامتًا… يريد أن يرى إلى أي حد تمتد ثقتها بالله. ظل يحاورها، يلمّح، يضغط، ينتظر شرخًا في يقينها. لكنها لم تتزحزح.
قالت له:
> “الحمد لله… حتى وإن لم أملك شيئًا، يكفيني أنني أملك ربًا لا ينسى عباده.”
ثم قدّم لها عقدًا وقال: “وقّعي، هذه الأوراق لتأجيل السداد.”
ترددت… سألته:
> “هل هذا عقد إفراغ؟ هل سيفرغوني؟”
فرد مذكرًا إياها:
> “ألستِ من قلتِ أن الله معك؟”
قالت بصدق صافٍ:
> “ونعم بالله… سأوقّع، ولْيقع ما يقع.”
ووقّعت.
ثم حدث ما لم يخطر ببالها…
قال لها غيث، بابتسامة طمأنينة:
> “لقد وقّعتِ عقد تملك… هذا البيت أصبح لكِ. دفعنا كل ما تبقّى عليكِ، حتى فواتير الماء والكهرباء.”
بكت… سجدت… وقالت:
> “ما قلت لكم؟ الله لا يخذل من يتوكل عليه.”
حين تذكرت بهجة، نظرت إلى محدثي في المقهى… وقلت في نفسي: كم من الناس مرّوا بابتلاءات قاسية، فلم تكسرهم، بل كشفت أجمل ما فيهم. كل ما فعله أن وثق بالله، فكان الجزاء بقدر الثقة.
في المدينة، وجوه كثيرة، لكن ليس كل وجه عادي كما يبدو.
في المدينة، كل مقهى زاخر بحكاية، وكل زفرة رجل مجهول، تحمل دروسًا لو أصغيت جيدًا.
أنا الستيني في ليل المدينة… لا أبحث عن القصص فقط، بل عن الإنسان خلفها.
هذا أنا… كعادتي. أجلس بهدوء، أفتح نوافذ الحكي، وأنتظر أن تفيض القلوب. لا أستعجل، ولا أحكم. فقط أستمع… ثم أترك الحكاية تُروى من جديد.
وفي هذه الليلة… اصطدت حكاية، وكتبت يقينًا.
–











