ادريس طيطي – مجرد رأي – لم يعد ما نراه في شوارعنا مجرد حالات معزولة، بل مؤشرات مقلقة على تصاعد سلوك عدائي يغذيه التهور وغياب التحكم في النفس. مشاهد العنف التي يتداولها المغاربة، من صاحب الزرواطة الى ابو صمة و ابو حديدة، ليست مجرد وقائع عابرة، بل ناقوس خطر يدعونا جميعا الى التوقف والتفكير: ما الذي اوصل الانسان الى هذا الحد؟ مهما كانت الظروف، ومهما اشتدت الضغوط النفسية او الاجتماعية، لا يمكن تبرير العنف. فأن تتحول لحظة غضب الى اعتداء قد يدمر حياة انسان اخر، فهذا انزلاق خطير لا يمكن القبول به. قد تكون هناك مشاكل شخصية، او خلافات عائلية، او تراكمات نفسية، لكن هل يعقل ان تترجم كل هذه الضغوط الى ضرب، او اعتداء، او تهديد لحياة الاخرين؟ بالتأكيد لا. ان القاسم المشترك بين هذه الحوادث هو الاندفاع والتهور، حيث يغيب العقل وتحضر الغريزة. ابو زرواطة انتهى به المسار الى حكم ثقيل بالسجن خمسة عشر سنة، وفي سياق قضيته خرجت طليقته لتبرر وتلوم من قام بتصوير الواقعة، وكأن الصورة صارت جزءا من جدل اخر، غير ان الفعل في جوهره يبقى مرفوضا مهما تعددت زواياه. وما تكاد الذاكرة تهدأ من قصة ابو زرواطة، حتى ظهر ابو صمة او ابو حجرة، وكأنه لم يعتبر مما وقع لغيره. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: ما الذي يقع؟ كيف تتكرر نفس السلوكات، رغم ان النهاية معروفة، بين سجن ومعاناة وندم؟ وفي حالة ابو حديدة، فقد صدرت عنه سلوكات مستفزة او مخلة في الفضاء العام، لكنه تراجع عن مسار العنف قبل ان يبلغ درجة الانفجار الكامل، وكأنها لحظة توقف قبل السقوط. هذه الحالات، رغم اختلاف تفاصيلها، تلتقي في لحظة واحدة: لحظة فقدان السيطرة، حيث يغيب العقل، ويترك المجال للغضب ان يقود الفعل بدل ان يضبط بالحكمة. في لحظة واحدة، ينسى الانسان عواقب افعاله، غير مدرك ان تصرفا واحدا قد يكلفه سنوات من السجن، او يترك ضحيته باعاقة دائمة، او يفتح باب ندم لا يغلق. وقد رأينا كيف انتهت بعض هذه الحالات باحكام قاسية، ومع ذلك ما زال البعض يكرر نفس الاخطاء، وكأن العبرة لم تستخلص. وفي خضم هذه الوقائع، يطرح سؤال اخر نفسه: هل دور المجتمع يقتصر على التصوير؟ هناك من يرى ان توثيق مثل هذه الاحداث ضروري لكشف الحقيقة، وهناك من يعتبر ان الاولى هو التدخل لمنع الكارثة. لكن الواقع اكثر تعقيدا، فمواجهة شخص في حالة هيجان قد تعرض المتدخلين للخطر. ومع ذلك، يبقى الوعي الجماعي والتدخل المسؤول، كل حسب قدرته، امرا ضروريا لتفادي الاسوأ. الاخطر من ذلك، ان هذه السلوكات بدأت تتكرر، وكأن العنف اصبح وسيلة للتعبير عن الغضب، بدل الحوار والتفاهم. وهذا مؤشر على خلل اعمق في منظومة القيم، حيث تراجع الصبر، وضعف التسامح، وغياب ثقافة الاحتواء. نحن كمغاربة، عرفنا بالحلم والتعايش، وبقدرتنا على تجاوز الخلافات بروح الاخوة. لكن ما نشهده اليوم يدفعنا الى التساؤل: هل بدأنا نفقد هذه القيم؟ هل اصبحنا اسرع غضبا، واقل صبرا؟ ان الحل لا يكمن فقط في العقوبات، رغم اهميتها، بل في اعادة الاعتبار لقيم الحوار، والتربية على ضبط النفس، ونشر الوعي بخطورة العنف. يجب ان نذكر انفسنا دائما، ان لحظة تهور قد تغير مصير حياة كاملة. في النهاية، لا احد يربح في العنف، الخاسر هو الجميع: الضحية، والجاني، والمجتمع. وبين هذا وذاك، يبقى الامل في ان نستعيد صوت العقل، وان نعيد للحوار مكانته، قبل ان تتحول شوارعنا الى ساحات صراع لا تحمد عقباها.