إدريس طيطي – مجرد رأي هناك فرق كبير بين أن تحب وطنك، وبين أن تخدع أبناء وطنك. الوطنية لا تعني أن نبحث عن الأعذار بعد كل هزيمة، ولا أن نغلف الإخفاق بعبارات عاطفية، ولا أن نحول الفشل إلى مجرد “تعب” أو “جزئيات”. الوطنية الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالحقيقة، لأن الإصلاح لا يولد من المجاملة، وإنما من النقد الصادق. هذا ما جعل المقارنة بين المعلق التونسي عصام الشوالي والمعلق الجزائري حفيظ دراجي تفرض نفسها بعد خروج منتخبيهما. الشوالي لم يرتد ثوب الجلاد لأنه يكره منتخب بلاده، بل لأنه يحبه. سنوات طويلة من التعليق والتحليل صنعت لديه رصيدا معرفيا كبيرا، وجعلته يقرأ المباراة بعين الخبير لا بعين المشجع. كان يرصد الخلل لحظة بلحظة، ينتقد اختيارات المدرب، ويهاجم الأداء الباهت، ويشير إلى أخطاء اللاعبين، بل وصل في بعض اللحظات إلى التهكم، لأنه لم يقبل أن يرى منتخب وطنه بهذا المستوى. لم يكن هدفه الإساءة، بل كان يريد أن يقول لكل مسؤول: هنا يكمن الخلل… وهنا يجب أن يبدأ الإصلاح. لقد آمن بأن حب الوطن لا يكون بالتصفيق للفشل، وإنما بمواجهة أسبابه مهما كانت قاسية. في المقابل، جاء المشهد الآخر مختلفا تماما. بدل أن يستثمر حفيظ دراجي خبرته الطويلة في تشخيص أسباب الإخفاق، بدا وكأنه غادر مقصورة التعليق الرياضي إلى مدرجات علم الاجتماع، يتحدث عن الوطنية والمشاعر والإرهاق والجزئيات أكثر مما يتحدث عن حقيقة ما كان يجري فوق المستطيل الأخضر. خطاب شوش على الحقيقة أكثر مما كشفها. سمعنا حديثا عن التعب، وعن أن كرة القدم تحسمها الجزئيات، واستحضارا لتجارب منتخبات أخرى، وكأن المشكلة لم تكن في الأداء الفني ولا في الخيارات التكتيكية. لكن الواقع كان مختلفا. المنتخب الجزائري ظهر في البطولة بمستوى أقل بكثير من التوقعات. تعادل مع النمسا في مباراة أثارت الكثير من النقاش، ثم وجد صعوبة كبيرة أمام المنتخب الأردني، الذي قدم، في نظر كثير من المتابعين، مستوى أفضل قبل أن يدفع ثمن بعض الأخطاء. بعدها جاءت الهزيمة الثقيلة أمام الأرجنتين، ثم السقوط أمام سويسرا، لتؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد “إرهاق” أو “جزئيات”. ولم تكن هذه النتائج معزولة عن مسار المنتخب في السنوات الأخيرة، بعدما عرف إخفاقات متتالية في محطات مختلفة، وهو ما كان يستدعي وقفة نقدية صريحة بدل البحث عن المبررات. كان المنتظر من معلق يملك كل هذه الخبرة أن يكون أكثر صرامة مع المدرب والجهاز التقني، وأن يناقش الاختيارات الفنية، وأن يضع إصبعه على مواطن الخلل، لأن المدرب يتحمل مسؤولية كبيرة مقابل الإمكانيات التي وضعت رهن إشارته. فالصحفي الرياضي ليس موظفا للعلاقات العامة، وليس مطلوبا منه أن يخفف وقع الهزيمة على الجماهير، بل أن يساعدها على فهم أسبابها. فالإعلام الذي يبرر الفشل يؤجل الإصلاح، أما الإعلام الذي يواجه الحقيقة، ولو كانت مؤلمة، فإنه يفتح الباب أمام التصحيح. وهنا يكمن الفرق بين المشهدين. الشوالي اختار أن يكون صوت الحقيقة، حتى وإن كانت كلماته قاسية على أبناء وطنه، لأنه كان يرى أن النقد الصريح هو أول خطوة نحو بناء منتخب أقوى. أما دراجي، فاختار أن يبحث عن شماعات يعلق عليها الإخفاق، فغابت القراءة الفنية، وحضرت المبررات. يبقى السؤال مطروحا هل يخدم الإعلام وطنه عندما يجمل الهزيمة، أم عندما يمتلك الشجاعة ليقول الحقيقة كاملة، كما فعل الشوالي؟