ادريس طيطي – مجرج رأي – أحيانا لا نحتاج إلى خطابات سياسية طويلة ولا إلى بيانات دبلوماسية معقدة حتى نفهم حقيقة بعض المواقف. يكفي أن نصادف مشهدين عابرين، أحدهما يستفزنا والآخر يفتح أعيننا على أشياء كنا نراها دون أن نتوقف عندها.
وأنا أتفحص صفحات مواقع التواصل الاجتماعي جرني مشهدان مختلفان تماماً. الأول استفزني، والثاني فتح عيني على حقيقة أعتقد أن المغرب مطالب اليوم بقراءتها بعيداً عن العاطفة والمجاملات
بالنسبة لي كمغربي، لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد ملف سياسي عادي، بل قضية وجود ووحدة وطنية. ومع توالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، ومع افتتاح عدد من الدول لقنصلياتها بالأقاليم الجنوبية، ومع تنامي الدعم الدولي للمقترح المغربي، أصبح من حق المغاربة أن يتساءلوا: هل ما زال الحياد ممكنا في قضية يعتبرها المغرب جوهر سيادته ووحدته الترابية؟
المشهد الأول جاء من تونس. قناة تلفزية عرضت خريطة للمغرب تتضمن الصحراء الشرقية، فاندلعت موجة من الغضب من الجانب الجزائري، ولم تمض ساعات حتى سارعت القناة إلى الاعتذار، وخرج إعلاميون ومؤثرون يتحدثون عن عمق العلاقات الجزائرية التونسية، وعن ضرورة احترام مشاعر الجزائر ومراعاة الروابط التاريخية والجغرافية التي تجمع البلدين. هنا توقفت طويلا. إذا كانت روابط الأخوة والجوار والتاريخ المشترك تبرر كل هذا الحرص على الجزائر، أليست هناك أيضاً روابط مماثلة بين المغرب وتونس؟ ألسنا أبناء فضاء مغاربي واحد؟ ألسنا شركاء في التاريخ والثقافة واللغة والمصير؟ وإذا كانت هذه الروابط كافية لتبرير الاعتذار السريع للجزائر، فلماذا لا نرى الوضوح نفسه عندما يتعلق الأمر بقضية يعتبرها المغرب قضية وطنية مصيرية؟
فعندما توالت الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، وعندما دعمت قوى دولية وازنة المقترح المغربي، وعندما اختارت دول عديدة افتتاح تمثيليات وقنصليات في الصحراء المغربية، لم نر الموقف نفسه، ولم نسمع الوضوح نفسه، بل ظل الحديث يدور حول الحياد. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: لماذا تتحول الروابط التاريخية إلى مبرر للاصطفاف عندما يتعلق الأمر بالجزائر، بينما تتحول إلى دعوة للحياد عندما يتعلق الأمر بالمغرب؟ أي حياد هذا؟ وأي مفارقة هذه؟ أما المشهد الثاني، فقد أوقفني أكثر من أي تحليل سياسي أو تصريح دبلوماسي. كان مشهداً كوميديا لفنان مصري خلال عرضه الفني، وهو يتفاعل مع الجمهور بطريقة عفوية لكسر رتابة العرض. توقف عند إحدى السيدات وسألها :من أين أنتِ؟ فأجابته: من الصحراء الغربية. استغرب وأعاد السؤال من أين؟ فردت مرة أخرى:
من الصحراء الغربية.
فقال لها: يعني من المغرب؟ فأجابت نفس الجواب بإصرار وضحكة ماكرة تحمل في طياتها خبث نظام طالما يسعى لزعزعة بلاد أمن. فسألها: من الجزائر؟ فأجابت من الصحراء الغربية. عندها توقف قليلاً ثم قال لها وهو يصرخ: وجواز سفرك من أين؟ وكيف دخلت إلى مصر؟ فأجابت بأنها تحمل الجنسية الإسبانية. فضجت القاعة بالضحك وانتهى المشهد. قد يراه البعض مجرد موقف فكاهي عابر، لكنه بالنسبة لي كان يحمل دلالة أكبر من حجمه. فالفنان لم يكن يقدم موقفا سياسيا، ولم يكن يخوض في نقاش دبلوماسي، بل تعامل بعفوية المواطن البسيط الذي يبحث عن حقيقة ملموسة: أين هده الصحراء الغربية ؟ ما هي الهوية التي تحملينها؟ وما هو الجواز الذي تسافرين به؟ بين المشهدين فرق كبير. في تونس رأينا سرعة في الاعتذار عندما تعلق الأمر بما اعتبرته الجزائر قضية تمسها. وفي مصر رأينا تعاملا عفويا لا يترك مساحة كبيرة للضبابية عندما يتعلق الأمر بمسألة الهوية والانتماء. وهنا بدأت أعيد النظر في كثير من الأشياء. ربما بالغ المغرب طويلا في الرهان على العاطفة. وربما اعتقد أن الروابط التاريخية والثقافية وحدها كافية لجعل المواقف واضحة في القضايا المصيرية. لكن الدول لا تقاس بالعواطف .الدول تقاس بمواقفها.
أنا لا أتحدث عن الشعب التونسي الذي نحبه ونحترمه، ولا عن الشعب المصري الذي تجمعنا به روابط عميقة، فالشعوب أكبر من الخلافات السياسية. أنا أتحدث عن المواقف فقط. لأن الوحدة الترابية ليست ملفا ثانويا يمكن تجاوزه بالمجاملات، وليست قضية يمكن وضعها بين قوسين حفاظاً على المشاعر.
ومن هنا أعتقد أن المغرب مطالب اليوم بقراءة المواقف كما هي، لا كما يتمنى أن تكون.
فمن حق الجزائر أن تعتبر ما تراه جزءا من سيادتها خطا أحمر.
ومن حق المغرب أيضا أن يعتبر وحدته الترابية خطاً أحمر.
ومن حق المغاربة أن يتساءلوا: إذا كانت بعض الأطراف قادرة على التعبير السريع عن حساسيتها تجاه ما يخص الجزائر، فلماذا يصبح الحياد هو الجواب الجاهز كلما تعلق الأمر بالصحراء المغربية؟
في النهاية، قد نختلف مع من يعارضنا، لكن الأصعب دائما هو فهم حياد لا يظهر إلا في اتجاه واحد…