لم يعد الحديث عن الإنتاجات الرمضانية ترفا نقديا، بل أصبح ضرورة أخلاقية وفنية. ما يُعرض على شاشاتنا خلال هذا الشهر الفضيل لا يعكس – في معظمه – حيوية المشهد الإبداعي المغربي، بقدر ما يعكس أزمة عميقة في الرؤية والاختيارات. رمضان، الذي يفترض أن يكون موسما للالتفاف العائلي والارتقاء بالذوق العام، تحوّل إلى سوق موسمي تُعرض فيه أعمال مستعجلة، فقيرة دراميا، قائمة على الصراخ والمبالغة والتهريج. نصوص مهلهلة، شخصيات بلا عمق، حوارات أقرب إلى دردشة عابرة منها إلى كتابة درامية مسؤولة. المشكلة ليست في الكوميديا كفن، فالكوميديا الراقية كانت دائما مرآة ناقدة للمجتمع، لكنها اليوم تُختزل في النكتة السهلة والإيحاء السطحي وتكرار القوالب المستهلكة. أصبح الضحك غاية في حد ذاته، ولو على حساب الذكاء الجماعي للمشاهد. الأخطر من ذلك هو تكريس منطق “الوجوه المتكررة” والدوائر المغلقة، حيث تُمنح الفرص بناء على العلاقات لا على الكفاءة، وتُقصى طاقات حقيقية قادرة على إحداث الفرق. في المقابل، يُعاد تدوير نفس الأسماء ونفس الأساليب ونفس الرداءة، وكأننا أمام إنتاج يُصنع لملء الفراغ لا لصناعة أثر. لسنا ضد الترفيه، ولسنا دعاة تعقيد نخبوية زائفة، لكننا نرفض أن يُختزل الفن في الاستهلاك السريع. الفن مسؤولية، والدراما رسالة قبل أن تكون سلعة إشهارية. حين يصبح معيار النجاح هو “الترند” وعدد المشاهدات فقط، فإننا نعلن صراحة موت المشروع الثقافي. المؤسسات المعنية، من قبيل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، مطالَبة بإعادة النظر في دفاتر التحملات، وفي آليات الانتقاء، وفي دعم الكتابة الجادة. لأن الاستثمار في الرداءة هو استثمار في تسطيح الوعي العام. إن الجمهور المغربي ليس ساذجا، وذائقته ليست بهذا الانحدار الذي يُفترض فيه. هو يتفاعل مع الجيد حين يُقدَّم له بصدق وإتقان. والتاريخ شاهد على أعمال مغربية راقية استطاعت أن تجمع بين الشعبية والجودة. إن استمرار هذا المسار لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزوف، ومزيد من فقدان الثقة في الإنتاج الوطني. وحين يفقد العمل الفني احترامه لذاته، يفقد احترام جمهوره. إنها صرخة في وجه التفاهة، ودعوة مفتوحة لإعادة الاعتبار للنص، للمخرج، للممثل، وللعقل قبل الضحك. فإما أن نؤسس لموسم رمضاني يُشرّف الإبداع المغربي، أو نستمر في تدوير الرداءة حتى نصبح شركاء في تكريسها. والفن، في نهاية المطاف، ليس موسما… بل موقف.