بقلم: إدريس طيطي
هناك لحظات فارقة لا تحتاج إلى كثير من التجميل؛ لأن حركة التاريخ والواقع السياسي أصحبا أكثر بلاغة من كل المنصات والتغطيات الموجهة. وملف الصحراء المغربية يعيش اليوم واحدة من أشد هذه اللحظات وضوحا، لحظة انزاحت فيها الأرضية الدولية نحو منطق الحل السياسي العملي، بينما لا يزال الإعلام الرسمي والموجه في الجزائر يصر على بيع الوهم، ويخاطب مجتمعه بلغة الماضي وكأن الزمن توقف والموازين لم تتغير.
دعونا هذه المرة نقف مباشرة أمام ما يروج له في الإعلام والبلاتوهات الجزائرية، نفكك شفراته، ونضعها وجه للوجه أمام قرارات مجلس الأمن والتصريحات الرسمية من العواصم الفاعلة.
السؤال البسيط والأول هو: عن أي «تقرير مصير» تتحدثون اليوم؟
حين اعتمد مجلس الأمن القرار 2797 بأغلبية 11 صوتا وبدون أي معارضة (مع امتناع الجزائر عن التصويت)، لم يكن الأمر مجرد تجديد روتيني لولاية البعثة الأممية؛ بل كرس القرار تحولا حاسما بوضعه الحكم الذاتي كإطار مركزي وأساسي للمفاوضات السياسية. ثم جاء الموقف الأمريكي ليزيد المشهد حسما؛ حيث أوضح المسؤولون الأمريكيون (ومنهم مسعد بولس) أن واشنطن تعتبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية المسار الوحيد والتطبيقي، وأن المطلوب الآن من الطرف الآخر تقديم إجابة ومقترحات عملية في هذا الإطار.
وهنا تنكشف أزمة الخطاب الإعلامي الجزائري. فعندما تضيق المساحة الدبلوماسية، تلجأ المنظومة الإعلامية إلى إعادة تدوير المصطلحات المستهلكة (تقرير المصير، الشعب الصحراوي، الشرعية الدولية، الاستفتاء…)، ليس لأنها حققت أي مكسب، بل لأنها المادة الوحيدة المتبقية لإبقاء الشارع الجزائري في حالة غيبوبة سياسية وإشغاله بعنصر “العدو الخارجي”.
وقفة تأمل وتحليل: شاشات الجزائر كحافلة فقدت كوابحها!
حين تتأمل تفاصيل الحوارات التي تبث في الإعلام الجزائري ،تشعر وكأنك أمام حافلة فقد سائقها السيطرة التامة على المقود؛ مستجدات متسارعة أربكت الحسابات، وانتهت معها الفبركة التقليدية، فلم يعد يعرف بأي اتجاه ينعطف!
تأملوا معي حجم المتناقضات التفسيرية والارتباك الصارخ بين ثنايا تلك الحوارات:
الوهم والأوهام المضادة في قراءة الاستقبالات الدبلوماسية: يطالعنا المحلل الأكاديمي الجزائري بقراءة تبسيطية مجانبة للواقع، ليعتبر أن مجرد لقاء بروتوكولي أجرته مندوبة واشنطن هو “اعتراف ضمني وفرض للشعب الصحراوي كطرف”! لكن السائق المرتبك هنا يتناسَى أن هذا اللقاء نفسه أتى ليبلغ الطرف الآخر بضرورة الانخراط في مقترح الحكم الذاتي. الاستقبال الدبلوماسي ليس شيكاً على بياض ولا تبنيا لموقف الضيف، بل هو إبلاغ بالمقتضيات الميدانية الجديدة.
عقدة القوة ونغمة “التفوق الجيوسياسي”: يناقض الخطاب نفسه حين يستحضر نغمة “الثقل العسكري والاقتصادي والجيوبوليتيكي للجزائر لكونه أثقل بكثير من باقي الأطراف”، مستنتجا أنه “من المستحيل على الولايات المتحدة تجاوز الطرح الجزائري”! وهنا يبرز مأزق انفصال الحسابات عن الواقع؛ إذ كيف لخطاب يتبجح بهذه القوة الضاربة والمطلقة في الإقليم أن يجد نفسه معزولا داخل مجلس الأمن، وممتنعا عن التصويت على قرار أممي، وغير قادر على تغيير كلمة واحدة في مسار القرارات الدولية المتتالية؟
تناقض “حبل النجاة” والدور المتخفي: تصل ذروة التناقض حين يتحدث التحليل الجزائري عن كلمة وزير الخارجية الجزائري (أحمد عطاف) بالأمم المتحدة، مدعيا أنه “قدم حبل نجاة للطرف المغربي عبر الاستعداد لتنظيم مفاوضات مباشرة بين طرفي النزاع”! تأملوا هذا الارتباك الصارخ: كيف يكرر النظام يوما بعد يوم أنه “ليس طرفا في النزاع” وأن القضية بين “المغرب والبوليساريو”، ثم يخرج إعلامه ليعترف بلسانه أن الجزائر هي من تملك الشفرة، وهي من تمنح “حبل النجاة”، وهي من تقرر شروط وتنظيم المفاوضات؟! إنه السقوط العلني للقناع؛ حيث يمارس النظام دور الطرف المباشر والموجه للنزاع، بينما يزعم إعلامه العكس تماما.
الصدمة المؤجلة للشعب الجزائري
إن هذا الارتباك الإعلامي ليس مجرد تحيز سياسي، بل هو صدمة مؤجلة للشعب الجزائري. فالإعلام المجند لا يمارس التضليل على المغرب، بل يمارسه على مواطنيه الذين يتابعون يومياً مادة إخبارية محشوة بمصطلحات المستنقع القديم، بينما الواقع الدبلوماسي والدولي تجاوز هذه المعاجم كلياً.
السؤال الأصعب والأخلاقي الذي يتحاشى هذا الإعلام وطرحه هو:
ماذا ستقولون للشعب الجزائري غدا حين تذوب وتتلاشى كلمة «تقرير المصير» بالكلية من القاموس الأممي والدولي؟
ماذا ستقتطعون من ميزانيات النشرات الإخبارية حين يفرض الواقع إغلاق هذا الملف؟ وكيف ستشرحون لمواطن عانى سنوات من الطوابير، والقهر الاقتصادي، والغلاء، واستنزاف ثروات البلاد في معركة خاسرة هدفت لتقسيم الجار، أنه كان يستمع يوميا لوهم استمر لعقود؟
لقد حان الوقت ليتوقف الإعلام الجزائري عن دور “المخدر السيادي”. المواطن الجزائري ليس بحاجة إلى شعارات قديمة تراد بها التغطية على أزمات الداخل، بل هو بحاجة إلى الحقيقة: أن موازين العالم تغيرت، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أصبح واقعاً يُبنى عليه الحل النهائي، وأن الاستمرار في قراءة الحاضر بعيون الماضي ليس دفاعاً عن قضية.. بل هو تأجيل خطير للحظة الاستفاقة..
#الصحراء_المغربية
#الوحدة_الوطنية
#الحكم_الذاتي
#الإعلام_الجزائري
#الجزائر
#تقرير_المصير
#الصحراء_المغربية_في_واد_والإعلام_الجزائري_في_واد_آخر
#المغرب
#الأمم_المتحدة
#مجرد_رأي










