«واخد بالك يا محمد؟».. جندي مصري بزي المينورسو يلقن البوليساريو خطاب الأرض: «جاتك الفرصة تقول أرضكم، تضيعها منك؟»

ادارة النشرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
«واخد بالك يا محمد؟».. جندي مصري بزي المينورسو يلقن البوليساريو خطاب الأرض: «جاتك الفرصة تقول أرضكم، تضيعها منك؟»
بقلم: إدريس طيطي (مجرد رأي)
قراءة في مشهد مسرب يطرح أسئلة محرجة حول طبيعة التأطير والتوجيه داخل مخيمات تندوف
أحيانا تختصر بضع كلمات ما تعجز عن كشفه خطابات طويلة، وتفتح جملة عابرة أبوابا واسعة للتساؤل حول ما يجري خلف واجهة الشعارات المرفوعة. وهذا ما يستوقفنا في مقطع فيديو مسرب يظهر فيه جندي مصري اللهجة، يرتدي زيا عسكريا تابعا لبعثة المينورسو، وهو يتحدث مع أشخاص من جبهة البوليساريو، في مشهد يستحق قراءة متأنية، ليس فقط بسبب هوية المتحدث وزيه، وإنما بسبب طبيعة العبارات التي يوجهها إلى مخاطبيه.
ورغم أن المشهد قديم، فإن إعادة تسليط الضوء عليه اليوم تتيح قراءة بعض دلالاته في ضوء ما يجري، وكأن كلماته كشفت لنا جانبا مما ظل قائما داخل المخيمات.
ومع كامل المحبة والتقدير لأشقائنا في مصر، فإننا لا نعمم هذا الخطاب عليهم، وإنما ننقل ما كشفه المشهد من عين المكان.
يقول المتحدث: «لازم تستغل كل مميزات قبل العيوب»، ثم ينتقل إلى عبارة أكثر دلالة: «الأرض دي أرضكم والأرض دي محدش ياخدها منكم»، قبل أن يضيف: «جاتلك الفرصة إنك تقول أرضي، تضيعها منك؟».
هنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختيار كلمات عابرة، بل بتسلسل في الخطاب يستحق التوقف عنده. فالمتحدث يبدأ بالدعوة إلى استغلال الفرص، ثم ينتقل إلى تلقين موقف محدد بشأن الأرض، قبل أن يحث مخاطبيه على عدم تفويت مناسبة للتعبير عنه. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الحديث عن استغلال الفرصة إذا كان الأمر يتعلق بقناعة يفترض أنها راسخة ولا تحتاج إلى تلقين أو تذكير؟
إن كلمة «استغل» تحمل في هذا السياق أكثر من دلالة، لأنها تربط الموقف بفرصة ينبغي توظيفها، وكأن المطلوب ليس مجرد التعبير التلقائي عن قناعة، وإنما اقتناص مناسبة لتمرير خطاب محدد. أما عبارة «جاتلك الفرصة إنك تقول أرضي، تضيعها منك؟» فهي الأكثر إثارة للتساؤل، لأنها توحي بأن هناك مناسبة ينبغي استثمارها لترديد موقف معين، وأن على المخاطب ألا يفوتها.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: إذا كانت الأرض أرضكم كما يقول المتحدث، فلماذا يحتاج إلى تذكير مخاطبيه باستغلال الفرصة للقول إنها أرضهم؟ وهل نحن أمام قناعة ذاتية أم أمام خطاب يجري تلقينه وتثبيته بالتوجيه والتحفيز؟
إننا لا نزعم أن مقطعا مقتضبا يكشف كل ما جرى، ولا ندعي معرفة طبيعة جميع الأنشطة التي قام بها هذا الجندي طوال فترة وجوده ضمن بعثة المينورسو، فذلك شأن آخر يحتاج إلى معطيات موثقة. لكن من حقنا أن نتساءل عن حدود الدور الذي يظهره هذا المشهد، وعن مدى انسجام هذا النوع من التوجيه السياسي مع طبيعة المهمة الأممية التي يفترض أن يضطلع بها أفراد البعثة.
والأمر لا يقف عند حدود هذا التسجيل، بل يجرنا إلى سؤال أكبر يتعلق بخمسين سنة من الانتظار والمعاناة داخل مخيمات تندوف. أجيال تعاقبت في ظروف إنسانية صعبة، بين الخيام والهشاشة وغياب شروط العيش الكريم، فيما ظلت الشعارات تتكرر والوعود تتجدد، دون أن تجد هذه الأجيال أفقا واضحا ينهي حالة الانتظار ويعيد إليها حقها في مستقبل آمن ومستقر.
ومن هنا يمكن فهم أهمية التوقف عند هذا المشهد، لأنه يطرح تساؤلات حول طبيعة التأطير الذي تتلقاه هذه الفئات، وحول الجهات التي تسهم في صناعة الخطاب وتوجيهه، وحول ما إذا كانت معاناة الإنسان داخل المخيمات تتحول إلى وسيلة لإدامة وضع سياسي يخدم حسابات أخرى.
فحين يجري الحديث عن استغلال الفرص، وتلقين العبارات، وتحفيز المخاطبين على تكرار خطاب بعينه، يصبح من المشروع التساؤل عن المسافة الفاصلة بين الاقتناع الشخصي والتوجيه المنظم. والأكثر إلحاحا هو معرفة ما إذا كان هذا النوع من الخطاب مجرد موقف فردي أم أنه يعكس ممارسة أوسع تستحق التحقيق والتوضيح.
وفي المقابل، فإن التحولات التي عرفتها قضية الصحراء المغربية على المستوى الدبلوماسي، والمواقف الدولية التي تعززت بشأن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تذكرنا بأن القضايا العادلة لا تحسم بالتلقين ولا بتكرار الشعارات، وإنما بقوة الموقف والحجة والشرعية والعمل الدبلوماسي المتواصل.
ولعل في ما شهدته المملكة من تطورات ومواقف دولية، رغم ما واجهته من عراقيل وتحديات، ما يعيد إلى الأذهان أن تدبير القضايا الوطنية يحتاج إلى النفس الطويل والثقة في عدالة الموقف. فكم من تطور بدا في ظاهره صعبا، ثم اتضح لاحقا أن في طياته خيرا وحكمة لا يدركهما الإنسان في حينهما.
قال تعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم»، وقال سبحانه: «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين».
إن هذا المشهد، بكل ما يحمله من عبارات ودلالات، لا يقدم لنا بالضرورة صورة كاملة عما يجري داخل المخيمات، لكنه يضع أمامنا سؤالا لا يمكن تجاوزه: من يؤطر من؟ وبأي صفة؟ ولأي غاية؟
فحين يتحدث جندي يرتدي زي بعثة أممية عن استغلال الفرصة وتلقين خطاب يتعلق بالأرض، فإن الأمر يستحق توضيحا مسؤولا، لأن الحياد الأممي ليس مجرد صفة على الورق، بل مسؤولية تقتضي الوضوح والالتزام بحدود المهمة.
#المينورسو #البوليساريو #مخيمات_تندوف #الصحراء_المغربية #القضية_الوطنية #المغرب #الحكم_الذاتي #التأطير_السياسي #الفيديو_المسرب #الأمم_المتحدة #الحياد_الأممي #الدبلوماسية_المغربية #إدريس_طيطي #الحصاد24
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة