حكومة استثنائية لمرحلة استثنائية… والمغرب يحتاج برلمانيا على مستوى التحدي

ادارة النشرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
حكومة استثنائية لمرحلة استثنائية… والمغرب يحتاج برلمانيا على مستوى التحدي
إدريس طيطي – مجرد رأي –
حين أقول إن المغرب مقبل على مرحلة استثنائية، فأنا أعي ما أقول.
لسنا أمام انتخابات عادية تنتهي بإعلان أغلبية ومعارضة، ثم تستأنف المؤسسات عملها بالمنطق نفسه الذي اعتادته. نحن أمام مرحلة تتقاطع فيها ملفات وطنية ودولية واقتصادية واجتماعية، وتتسارع فيها التحولات، وتختبر فيها قدرة الدولة ومؤسساتها على حماية مصالحها وصناعة القرار والدفاع عن اختياراتها.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة الانتخابية الأخرى ليس فقط: من سيفوز؟ بل: من يستطيع أن يتحمل مسؤولية المغرب في المرحلة المقبلة؟
المغرب يحتاج إلى حكومة استثنائية، حكومة سياسية منسجمة، واضحة الرؤية، تمتلك الإرادة لاتخاذ القرار، وقادرة على التعامل مع ملفات لا تحتمل التردد أو التدبير التقليدي. حكومة تعرف أن قوة الدولة لا تقاس بكثرة التصريحات، وإنما بقدرتها على تحويل القرارات إلى واقع، ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وحماية مصالح المواطنين، والاستمرار في الأوراش الكبرى التي أصبحت جزءاً من مستقبل البلاد.
لكن حكومة قوية لا يمكن أن تعمل ببرلمان ضعيف.
وهنا تبدأ مسؤولية المواطن في الاختيار. فالبرلمان ليس مجرد مؤسسة تمنح الحكومة أغلبية عددية، وليس فضاء للخطب والسجالات، وإنما مؤسسة يفترض أن تجمع بين التشريع والرقابة والتقييم والترافع. وكلما ارتفع مستوى الملفات التي تواجه الدولة، ارتفعت معه الحاجة إلى نواب يمتلكون الكفاءة والمعرفة والحنكة والجرأة والقدرة على بناء المواقف والدفاع عنها.
عندما نقول “نواب الأمة”، فعلينا أن نستوعب جيدا معنى هذه العبارة. النائب ليس نائباً عن دائرته فقط، وإنما هو جزء من مؤسسة يفترض أن تحمل صوت المغاربة إلى مواقع القرار. ولذلك فإن البرلماني القوي هو الذي يستطيع أن يناقش ملفاً اقتصادياً، ويفهم قضية اجتماعية، ويترافع عن مصلحة وطنية، ويواجه الحجة بالحجة، ويعرف كيف يوظف علاقاته البرلمانية والدولية لخدمة بلده.
والمغرب اليوم في حاجة إلى هذا النوع من البرلمانيين أكثر من أي وقت مضى.
انظروا إلى ما يحيط بملف سبتة ومليلية من نقاشات سياسية وبرلمانية وإعلامية في إسبانيا، وما يرافق ذلك أحياناً من مواقف متشددة واستفزازات صادرة عن بعض التيارات السياسية واليمين المتطرف. هذه الملفات لا يكفي فيها انتظار الموقف الرسمي أو الاكتفاء بردود الفعل. إنها تحتاج إلى ترافع سياسي وبرلماني هادئ، قوي، يعرف تفاصيل القضية، ويتحرك داخل المؤسسات والبرلمانات، ويبني العلاقات ويقدم الرواية المغربية ويدافع عن المصالح الوطنية.
ومن لا يترافع عن قضيته، يترك الآخرين يترافعون عنه أو ضده.
والأمر نفسه ينطبق على قضية الوحدة الترابية ومسار الحكم الذاتي، وهي قضية بلغت مرحلة دقيقة بعد التراكمات الدبلوماسية التي حققها المغرب. فالمكاسب التي تحققت تحتاج إلى حماية ومواكبة وتثبيت، والمرحلة المقبلة تحتاج إلى برلمان قادر على أن يكون جزءاً من منظومة الترافع الوطني، لا مجرد مؤسسة تكتفي بتسجيل المواقف بعد وقوع الأحداث.
وفي محيط إقليمي يعرف تحولات متسارعة، ومحاولات لإعادة ترتيب الأوراق، لا يستطيع المغرب أن يتعامل مع الملفات الكبرى بمنطق الانتظار. ليس المطلوب التصعيد من أجل التصعيد، وإنما امتلاك المبادرة، وتوسيع العلاقات، وتحصين المواقف، وشرح المصالح المغربية في مختلف العواصم والمنتديات. وهذا لا يمكن أن تقوم به الحكومة وحدها، بل يحتاج إلى برلمان قوي وأحزاب واعية ودبلوماسية سياسية وبرلمانية قادرة على التحرك في الاتجاه نفسه.
لكن قوة البرلمان لا تقاس فقط بقدرته على الدفاع عن القضايا الوطنية خارج الحدود.
هناك مغرب آخر ينتظر هذا البرلماني في الداخل؛ مغرب الفقير والمحتاج والعاطل، والأسرة التي تكابد ارتفاع تكاليف الحياة، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، والمواطن الذي يريد مدرسة أفضل ومستشفى أفضل وإدارة أكثر إنصافا، وشاب آخر قد يدفعه اليأس من ظروفه الاجتماعية والاقتصادية إلى التفكير في مغادرة وطنه بأي وسيلة، حتى ولو كان البحر طريقا محفوفا بالموت.
هنا أيضا يجب أن يكون البرلماني حاضرا.
ليس من خلال الوعود، وإنما من خلال الترافع الحقيقي عن السياسات التي تخلق فرص الشغل، وتحمي الفئات الهشة، وتقلص أسباب الإقصاء واليأس، وتجعل المواطن يشعر بأن له مكاناً ومستقبلاً داخل وطنه.
فالبرلماني الذي يترافع عن المواطن في معيشته وحقه في العمل والكرامة، ويترافع في الوقت نفسه عن وطنه وقضاياه في الخارج، هو الذي يستحق فعلا أن يحمل صفة “نائب الأمة”.
ولذلك فإن قوة النائب ليست في صوته المرتفع، ولا في ظهوره الإعلامي، ولا في عدد الصور التي يلتقطها داخل القبة وخارجها. قوته في قدرته على تحويل معاناة الناس إلى أسئلة سياسية، ومطالب اجتماعية إلى سياسات عمومية، وقضايا الوطن إلى ملفات ترافع، ومصالح المغرب إلى مواقف واضحة.
وإذا كان المغرب مقبلا أيضاً على استحقاقات رياضية عالمية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم، فإن الأمر يزيد من حجم المسؤولية. فهذه الاستحقاقات ليست مجرد مباريات، وإنما فرصة اقتصادية وسياحية وتنموية ودبلوماسية، تحتاج إلى مؤسسات قادرة على مواكبة حجم الرهان، ومراقبة حسن تدبيره، والدفاع عن مصالح البلاد المرتبطة به.
لهذا كله، لا يمكن أن يكون طموحنا مجرد الحصول على أغلبية مريحة داخل البرلمان.
نحن نحتاج أغلبية قوية ومعارضة قوية.
الأغلبية القوية هي التي تعرف كيف تحكم وتدافع عن اختياراتها وتتحمل مسؤوليتها. والمعارضة القوية هي التي تعرف كيف تراقب وتقترح وتنتقد دون أن تحول السياسة إلى خصومة شخصية. والقوة في الحالتين لا تعني الصراخ أو الرفض الدائم، وإنما تعني المستوى، والمعرفة، والقدرة على الإقناع، والحنكة في إدارة الخلاف، والجرأة في الدفاع عن المواقف.
الديمقراطية لا تحتاج برلمانا يصفق للحكومة، كما لا تحتاج برلمانيا يحارب الحكومة في كل شيء. تحتاج برلمانيا يعرف أن دوره هو خدمة الدولة والمجتمع من موقعه الدستوري، وأن الاختلاف السياسي يمكن أن يكون قوة عندما يكون مبنيا على المعرفة والمسؤولية.
وهنا أيضا تتحمل الأحزاب مسؤولية تاريخية. فالمطلوب ليس فقط إعداد لوائح انتخابية قادرة على الفوز، وإنما إنتاج نخب قادرة على تحمل المسؤولية. المرحلة المقبلة تحتاج إلى سياسي يعرف الاقتصاد كما يعرف المجتمع، ويفهم الملفات الدولية كما يفهم مشكلات المواطنين، ويستطيع أن يتحدث بالحجة داخل البرلمان وخارجه، وأن يتحول من مجرد منتخب إلى رجل أو امرأة دولة.
أما المواطن، فعليه أن يدرك أن ورقة الاقتراع ليست مجرد اختيار شخص يعرفه أو حزب اعتاد التصويت له. إنها تفويض سياسي، ومستوى البرلمان يبدأ من مستوى الاختيار.
على المواطن أن يسأل المرشح: ماذا تستطيع أن تفعل؟ ماذا تعرف؟ كيف ستترافع؟ كيف ستدافع عن مصالحنا؟ ماذا ستقدم للفقير والعاطل والشاب والأسرة؟ وكيف ستكون صوتاً للمغرب عندما تكون قضاياه مطروحة في برلمان آخر أو عاصمة أخرى؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً انتخابياً. إنها جزء من مسؤولية المواطن نفسه.
فالمغرب الذي يريد أن يكون قوياً في محيطه، يحتاج إلى مؤسسات قوية. والمغرب الذي يريد أن يحمي قضاياه، يحتاج إلى سياسيين يعرفون كيف يترافعون عنها. والمغرب الذي يريد أن يواجه تحدياته الاجتماعية، يحتاج إلى برلمانيين يسمعون صوت المواطن قبل أن يبحث عن طريقة أخرى لإسماع صوته.
إننا أمام مرحلة لا يكفي فيها أن يكون لنا برلمان، بل نحتاج إلى برلمان يستطيع أن يفعل شيئاً.
لا يكفي أن تكون لنا حكومة، بل نحتاج إلى حكومة تعرف كيف تحكم.
ولا يكفي أن تكون لدينا أغلبية ومعارضة، بل نحتاج إلى أغلبية ومعارضة في مستوى المسؤولية.
لذلك، حين أقول إن المغرب مقبل على مرحلة استثنائية، فأنا أعي ما أقول.
فالملفات التي تنتظر الحكومة المقبلة، والتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المواطن، والقضايا الوطنية التي تحتاج إلى ترافع مستمر، والتحولات الإقليمية والدولية، والاستحقاقات الكبرى التي تنتظر البلاد، كلها تجعل من الخطأ أن نتعامل مع الانتخابات بمنطق عادي.
المغرب يحتاج حكومة استثنائية لمرحلة استثنائية، ويحتاج برلماناً استثنائياً في كفاءته وترافعه وجرأته.
والشعب المغربي حين يتوجه إلى صناديق الاقتراع، لا يختار فقط من سيدخل القبة، بل يختار من سيحمل صوته لسنوات.
فإذا أحسنا الاختيار، كان لنا برلمان يليق بوطن كبير.
وإذا أخطأنا، فلن يكون الخاسر حزباً أو مرشحاً.
سيكون الخاسر صوت المواطن… وصوت المغرب.
#المغرب #انتخابات2026 #الانتخابات_التشريعية #حكومة_استثنائية #برلمان_قوي #نواب_الأمة #الحكومة #البرلمان #الترافع_البرلماني #المشهد_السياسي #السياسة_المغربية #المواطن #الشباب #البطالة #الهجرة #الوحدة_الترابية #الحكم_الذاتي #سبتة_ومليلية #إسبانيا #الجزائر #الدبلوماسية_البرلمانية #كأس_العالم #المغرب_2026 #صنع_القرار #المغرب_أولا
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة