دعونا نتوقف لحظة ونتأمل ما قدمته بطولة كأس إفريقيا 2025. هذه البطولة لم تكن مجرد مباريات كرة قدم، بل كانت عرسا إفريقيا وعالميا حضرته شعوب من كل حدب وصوب: عربا وأفارقة وأجانب من أوروبا وغيرها. كل الثقافات استقبلت على أرض المغرب بروح الانفتاح والترحاب، في تنظيم محكم وأمن حاضر وبنية تحتية أبهرت الجميع، وجعلت المغرب يقدم صورة مشرقة عن إفريقيا الحديثة القادرة على تنظيم أكبر التظاهرات الرياضية. الشعوب الإفريقية التي حضرت البطولة قدمت صورة رائعة ومبهجة. ألوانها الزاهية الصفراء والحمراء والخضراء والزرقاء ملأت الملاعب والشوارع. رقص وفرح واحتفال بطريقتهم الخاصة، في أجواء يسودها الاحترام والنظام، دون أدنى مشاكل. شعوب لطيفة راقية متربية، أكدت أن إفريقيا قارة حياة وثقافة وجمال. المغرب بهذا التنظيم جعل الأفارقة يفتخرون بقارتهم، وأثبت أن إفريقيا قادرة على منافسة أكبر القارات في تنظيم البطولات الكبرى. أما الجماهير العربية، وخصوصا الجماهير المصرية والتونسية، فقد قدمت شهادة حقيقية في الرقي والأخلاق. المصريون الذين زاروا المغرب جاؤوا بعائلاتهم كبارا وصغارا، أظهروا احتراما كبيرا للبلد وللناس، ولم تسجل في حقهم أي مشاكل. لم نسمع منهم حديثا عن مؤامرة ولا عن غش ولا عن حكام ولا عن تذاكر، فقط كرة قدم وفرجة وروح رياضية. وبالنسبة لتونس، فخروج منتخبها من البطولة كان أمرا مؤسفا، لكن جمهورها بقي حاضرا بأخلاقه العالية، وبسلوكه الحضاري، وزار المغرب بعائلاته، وترك صورة مشرفة عن شعب راق ومتجذر في القيم. لكن، ومن باب قول الحقيقة، لا يمكن إغفال واقع واحد، وهو أن دولة واحدة اختارت منذ البداية أن تكون خارج هذا العرس، نظاما وإعلاما، وهي الجزائر. قبل انطلاق البطولة، وقبل أن تطأ أقدام الجماهير أرض الواقع، خرج الإعلام الجزائري يشكك في كل شيء. شكك في بناء الملاعب، قال إنها ذكاء اصطناعي، قال فوتوشوب، قال كل شيء فقط ليظهر عجز المغرب عن تنظيم هذه التظاهرة. وعندما جاءت الوفود إلى أرض الواقع، وسقطت الأكاذيب واحدة تلو الأخرى، لم يتراجع هذا الإعلام، بل انتقل إلى مرحلة أخطر. تجندت الاستوديوهات الجزائرية، تقييمات مزيفة، تحليلات مفبركة، اتهامات مباشرة للحكام بالرشوة، وضرب متعمد لمصداقية التحكيم. صحافة تركت أنوار الرباط وذهبت تبحث عن الظلام فقط من أجل صناعة مادة حاقدة. مصطلح المؤامرة أصبح يعشش في خطابهم: سياسيا ورياضيا وثقافيا وتراثيا. كل شيء عندهم مؤامرة. ثم انتقلوا إلى الحديث عن الجمهور، مرة التذاكر، ومرة ضعف الحضور، ومرة المجانية. والعالم كله كان يشاهد البث المباشر، ويشاهد امتلاء الملاعب، بل وشاهد أيضا أحد المؤثرين الجزائريين وهو يتبول داخل الملعب، موثقا ذلك عبر لايف مباشر من هاتفه، في سلوك صادم لا علاقة له بالرياضة ولا بالأخلاق. ولحد كتابة هذه السطور، ما زال الهجوم مستمرا. هجوم على حكام الأمس، هجوم على اتحاد الكاميرون، واتهامات ببيع المباراة للمغرب. أيعقل هذا الكم من الحقد؟ أيعقل أن يصدر كل هذا عن جار يجمعنا به الإسلام واللغة والتاريخ والجوار؟ نحن دولة عربية مثلهم، أقرب جار، ومع ذلك يصدر كل هذا العداء من هذا الجار بالذات. السبب واضح. حقد دفين سببه ما وصل إليه المغرب من إنجازات في البنية التحتية، وفي العلاقات الدولية، وفي الاحترام الذي يحظى به المغرب وشعبه، وفي الحب الذي تكنه له الشعوب. إنجازات أربكت نظاما مهترئا، فاختار أن يجيش إعلاما فاسدا للنيل من المملكة المغربية الشريفة، لكنه فشل، لأن الحقيقة كانت أقوى من كل الأكاذيب. ومن باب الأمانة أيضا، لا نعمم. هناك جزائريون أحرار مثقفون شرفاء لا يمثلهم هذا الخطاب، ونحن نعتذر لهم عن ذكر اسم الجزائر مقرونا بهذه السلوكيات، ونعلم أنهم يبرؤون منها وغير راضين عنها، لكن لا حول لهم ولا قوة أمام آلة إعلامية موجهة لا تعكس حقيقة الشعب الجزائري كله. تبقى الحقيقة واحدة: كأس إفريقيا 2025 كانت ناجحة بكل المقاييس، والمغرب قدم نسخة تاريخية ستظل راسخة في الذاكرة، وجعل إفريقيا تفخر بنفسها، ومهما حاول الحاقدون تشويه النور، فلن يروا إلا الظلام الذي اختاروه لأنفسهم.