أثار إعلان الجزائر تضامنها مع إيران عقب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية نقاشا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية، ليس بسبب مبدأ التضامن في حد ذاته، بل بسبب ما اعتبره متابعون غيابا لميزان موحد في التعاطي مع مختلف صور التوتر في المنطقة. فالبيان الجزائري ركز على إدانة الضربات التي استهدفت إيران، دون أن يتطرق بالوضوح نفسه إلى أفعال أو سياسات إيرانية طالت دولا عربية يفترض أنها ضمن دائرة الصداقة أو التنسيق.
هذا المعطى أعاد إلى الواجهة سؤال الاتساق في الخطاب السياسي. فإذا كان مبدأ الدفاع عن سيادة الدول ورفض الاعتداءات الخارجية ثابتا، فإن المنطق نفسه يقتضي إدانة أي سلوك يمس سيادة دول عربية، سواء صدر عن قوى دولية أو عن أطراف إقليمية. غير أن الانتقائية في التنديد تفتح المجال أمام تأويلات تعتبر أن الاصطفاف تحكمه حسابات سياسية أكثر من كونه التزاما مبدئيا شاملا.
وفي سياق متصل، يشار أحيانا إلى إشادة الجزائر بعلاقاتها مع قطر، غير أن هذه الإشارة تبقى هامشية أمام جوهر النقاش المتعلق بتموضع الجزائر في خريطة التحالفات الإقليمية. فالقضية الأساسية لا تتعلق بمحور ضد آخر، بل بكيفية إدارة التوازن داخل الفضاء العربي، خصوصا حين تتقاطع مصالح دول الخليج مع حساسيات أمنية مباشرة.
المشهد الإقليمي اليوم معقد ومتشابك، حيث تتحرك الدول وفق رؤاها لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. غير أن الرأي العام العربي ينظر إلى المواقف الرسمية من زاوية أخرى، زاوية التضامن الشامل غير الانتقائي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطاب أكثر وضوحا ينسجم مع مبدأ حماية سيادة جميع الدول دون استثناء، حفاظا على الحد الأدنى من التوازن داخل البيت العربي، وتفاديا لمزيد من الاستقطاب في منطقة تعيش أصلا على إيقاع أزمات متلاحقة.