إدريس طيطي
أحيانا نعود للأمثال الشعبية والنكت المتداولة، لا من باب التسلية أو قتل الفراغ، بل لأنها تختزن واقعا معيشا تراكم عبر سنوات. النكتة ليست دائما ضحكا، بل قد تكون اختصارا لسياسة، أو تشخيصا لعقدة. تذكرت تلك النكتة القديمة التي تقول إن شخصا وعد مغربيا وجزائريا بتنفيذ أي طلب، شرط أن ينفذ طلب الآخر مرتين. فطلب المغربي شيئا عاديا، بينما طلب الجزائري أن تفقأ إحدى عينيه، حتى تفقأ عينا المغربي الاثنتان.
هذا المنطق يوضح اليوم طريقة تفكير الإعلام الجزائري: ليس الضرر الذي يلحق بالجزائر هو المهم، بل الضرر الأكبر الذي يلحق بالمغرب، مهما كان الثمن مضاعفا. كل استوديو، وكل مؤثر مأجور، ينصب اهتمامه على المغرب، ويحوّل كل حدث إلى “إنجاز جزائري” أو إلى أزمة خارجية. تمويلات ضخمة تُصرف لكل من يهاجم المغرب، لكل من يقول إن الصحراء غربية، أو لكل من ينتقد المغرب في كأس إفريقيا 2025،. فقط ان يقول فاشلا.
الجميع يتذكر ما حدث حين جلب حفيد مانديلا بمبالغ طائلة ليقول ما يريد النظام، ليخدم روايته الخارجية، بعيدا عن أي اهتمام بقضايا الداخل.
ستلاحظون كيف سيرابط الإعلام الجزائري من جديد بعد قضية قرار الكاف والعقوبات البسيطة اتجاه المنتخب السنغالي، التي ضلمت المغرب في حقه، وسيحولها إلى “انتصار للشعب الجزائري”، بماذا؟ الله أعلم. كل شيء آخر لا يهم، حتى العقوبات التي صدرت في حقهم كانت أكبر وأقسى، لكن المهم أن يسوق المغرب كمتضرر، وأن يصور الحدث على أنه نصر جزائري، هذا هو البوصلة الإعلامية الثابتة.
الإعلام الجزائري يركز على الخارج، بينما المواطن الجزائري يعاني داخليا: الطوابير، الغلاء، أزمات الحليب والزيت والغاز، الفيضانات، والمنازل الغارقة في الطين، في بلد يملك الغاز والنفط والثروات الطبيعية التي كان من المفترض أن تضمن له حياة كريمة. لولا بعض المؤثرين الجزائريين على مواقع التواصل، لما وصلت هذه الصور للعلن، ولما عرف أحد حجم المعاناة اليومية.
كل هذا يظهر العقدة القديمة نفسها التي تعكسها النكتة: إيذاء الطرف الآخر أولوية، ولو كان الثمن معاناة الذات، وحجب الحقيقة عن الشعب أهم من توجيه الإعلام نحو قضاياه الأساسية. وهكذا، كل عقوبة، كل تصريح، كل حدث مرتبط بالمغرب، يُسوَّق وكأنه نصر للشعب الجزائري، بينما المتضرر الحقيقي هو النظام ومعه المواطن نفسه.
وفي كل هذا، يظل السؤال الجوهري مطروحا: أليس الخاسر الأكبر هو الجزائر نفسها؟ كم استنزفت من أموال طائلة في قضية لم تحرقها النيران يوما، قضية الصحراء المغربية، حيث تم تمويل عصابة البوليساريو من أصغر عنصر فيها إلى أكبر قيادي، دون أن تحقق الجزائر أي مكسب حقيقي أو إنجاز سياسي يُذكر. لا اعتراف دولي، لا اختراق دبلوماسي، ولا نتيجة ملموسة، سوى مزيد من العزلة والفشل.
سياسة خارجية جعلت الجزائر تبدو معزولة، كأنها مصابة بالجرب السياسي، بسبب خياراتها العدائية ودعمها للانفصال، بل وارتباط اسمها بدعم جماعات مشبوهة، في وقت كان الأجدر بها أن تبني علاقات، لا أن تهدمها. سنوات من العداء، وسنوات من الصرف غير المحسوب، انتهت إلى طريق مسدود.
وفي الوقت الذي تُهدر فيه الثروات على التسلح، تُغرق الاستوديوهات الجزائرية المشاهد بخطاب القوة و”أقوى جيش في المنطقة”. لكن دعونا نكون منطقيين: أقوى جيش بناء على ماذا؟ هل خاض حروبا؟ لا. هل شارك في نزاعات حقيقية دفاعا عن الوطن؟ لا. ما نراه هو تراكم أسلحة وخردة عسكرية استنزفت المال العام دون جدوى، في حين كان من الأولى أن توجّه هذه الثروات إلى ما ينقذ الشعب، لا ما يُغرقه أكثر.
كان الأجدر بتلك الأموال أن تصرف على المواطن الجزائري، على صحته، على معيشه، أو على اقتناء طائرات لإطفاء الحرائق التي تلتهم الغابات كل صيف، بدل أن يترك الناس يواجهون النيران والفيضانات والطوابير وحدهم. لكن حين تسود سياسة تفضل العداء على التنمية، وتضع الخارج قبل الداخل، يكون المآل هو الهلاك البطيء.
هكذا يتأكد أن الضرر لم يصب المغرب كما يروّج، بل ارتد على الجزائر نفسها. سياسة عدائية فاشلة، وإعلام مجند، وثروات مهدورة، وشعب يدفع الثمن. تلك هي الخسارة الحقيقية، خسارة وطن أنهك بسياسات لا تخدمه، ولا تخدم مستقبله.
وهذه الصورة المعبرة للنص، توضح الاستوديوهات الإعلامية والسيطرة على الخطاب السياسي، مع تلميح عن معاناة المواطنين: