في خطوة تحمل أكثر من دلالة مهنية واجتماعية، وتفتح صفحة جديدة في تدبير قطاع النقل الحضري بمدينة أكادير، اقتحمت نساء مجال مراقبة تذاكر الحافلات، في تجربة غير مألوفة تسلط الضوء على التحولات التي يعرفها تدبير المرافق العمومية، وتضع في الواجهة سؤال الكفاءة والصرامة واحترام القانون بعيداً عن الأحكام المسبقة المرتبطة بالنوع الاجتماعي.
وتكشف الصورة المتداولة لعدد من المراقبات اللواتي يرتدين زياً مهنياً يحمل علامة «KARID»، عن دخول العنصر النسوي إلى مهمة ظلت، في نظر الكثيرين، حكراً على الرجال، خصوصاً أنها ترتبط بالاحتكاك اليومي بالركاب، ومراقبة التذاكر، والتعامل مع حالات المخالفة داخل فضاء مكتظ تتباين فيه السلوكيات وردود الأفعال.
لكن الأهم من مجرد ارتداء الزي المهني هو طبيعة المسؤولية الملقاة على عاتق هؤلاء النساء. فمراقبة التذاكر ليست مهمة شكلية أو مجرد حضور داخل الحافلات، بل مسؤولية ميدانية تقتضي الانضباط، واليقظة، والقدرة على التواصل، والتعامل بحزم مع المخالفات، دون تجاوز القانون أو المساس بكرامة المسافرين.
إن هذه التجربة، التي يجري تقديمها باعتبارها الأولى من نوعها بأكادير، تطرح تحدياً حقيقياً أمام الجهات المشرفة على القطاع: هل ستتحول إلى نموذج ناجح لتطوير المراقبة داخل الحافلات، أم ستظل مجرد مبادرة تستقطب الاهتمام الإعلامي في بدايتها، قبل أن تصطدم بإكراهات الميدان؟
فالرهان الحقيقي لا يكمن في إثارة الانتباه إلى وجود نساء في هذا المجال، وإنما في توفير شروط نجاح التجربة، من خلال التكوين المهني المتخصص، والتأطير المستمر، وتحديد الاختصاصات بوضوح، وضمان الحماية القانونية والمهنية للمراقبات، خصوصاً في المواقف التي قد تشهد توترات أو احتكاكات مع بعض الركاب.
كما أن نجاح هذه المبادرة يظل مرتبطاً بمدى قدرتها على فرض احترام قواعد استعمال النقل العمومي، والتصدي للتهرب من أداء ثمن التذكرة، باعتباره سلوكاً يضر بتوازن المرفق ويثقل كاهل منظومة النقل.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء الجهات المسؤولة من مسؤوليتها في تحسين جودة الخدمات، واحترام كرامة المواطنين، وضمان شروط نقل تحفظ سلامتهم وحقوقهم.
إن دخول المرأة إلى هذا المجال ليس امتيازاً رمزياً ولا استعراضاً إعلامياً، بل اختبار للكفاءة وتكافؤ الفرص ونجاعة التدبير. فأكادير لا تحتاج إلى صور لافتة فحسب، بل إلى مراقبة فعالة، وقانون يطبق على الجميع، ومرفق عمومي يحترم المواطن.
فالرهان اليوم ليس من يراقب التذاكر، بل من يستطيع إعادة الانضباط إلى الحافلات وصون حق المواطن في نقل يليق بكرامته .